
نقرأُ في سورةِ طه، وفي الآيةِ الكريمةِ 116 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى).
يحقُّ للمرءِ أن يتساءلَ عن العلةِ من وراءِ أمرِ اللهِ تعالى للملائكةِ بأن يسجدوا لآدم؛ وهي علةٌ ما كنا لنتبيَّنَها على حقيقتِها لولا ما كشفه لنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بشأنِ حقيقةِ ما حدثَ بعد صدورِ أمرِه هذا. فلقد سجدَ الملائكةُ كلُّهم أجمعون ورفضَ إبليسُ أن يمتثلَ لأمرِ اللهِ تعالى هذا فأبى وتمنَّعَ، وفي هذا ما فيه من دلالاتٍ تُعينُ على تبيُّنِ العلةِ من وراءِ صدورِ أمرِ اللهِ تعالى هذا. فاللهُ تعالى ما أمرَ الملائكةَ بالسجودِ لآدم إلا لِيميزَ إبليسَ منهم فيضطرَّه بذلك إلى الإفصاحِ عما كان كامناً مكنوناً في نفسِه من الغرورِ والتكبُّر. فإبليسُ لن يعودَ بمقدورِه أن يبقى في جنةِ المأوى أما وقد جاهرَ بتكبُّرِه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) (11- 13 الأعراف).
ولكن، هل كانت الغايةُ من أمرِ اللهِ تعالى للملائكةِ بأن يسجدوا لآدم تقتصرُ على كشفِ إبليسَ وتمييزِه منهم واضطرارِه إلى البوحِ بما كان كامناً في نفسِه من التكبُّرِ والغرور فحسب، أم أنَّ في الأمرِ شيئاً آخرَ أبعدَ من ذلك بكثير؟
يُعين على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ تسلسلَ الأحداثِ التي أعقبت أمرَ اللهِ تعالى لإبليسَ بأن يهبطَ من الجنةِ إلى الأرض: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ. قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) (16- 18 الأعراف).
فأمرُ اللهِ تعالى للملائكةِ بأن يسجدوا لآدمَ إذاً لم يكن إلا حلقةً في سلسلةٍ ذاتِ صلةٍ بتخلُّقِ الإنسانِ. فنحن لن نقدِرَ تخلُّقَ الإنسانِ حقَّ قدرِه إن لم نستذكر ونتدبَّر ما تسبَّبت به عداوةُ إبليسَ للإنسان. فهل كان لآدمَ أن يخرجَ من الجنةِ ويهبطَ إلى الأرض لولا تلك العداوة؟ هذا ما سوف أتطرقُ إليه إن شاء الله في المنشورِ القادم.
