
أسكنَ اللهُ تعالى آدمَ وزوجَه الجنةَ وأمرَهما بألا يقربا شجرةً بِعَينِها عرَّفها لهما: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين) (19 الأعراف). فهل كان آدمُ ليأكلَ من الشجرةِ التي نهاهُ اللهُ تعالى عنها لولا غوايةُ إبليسَ له؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الآياتِ الكريمةَ التالية:
1- (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ. فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) (20- من 22 الأعراف).
2- (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى. فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى. وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى. فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى. فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (116- 121 طه).
3- (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) (من 27 الأعراف).
فالذي أخرجَ أبوَينا من الجنةِ إذاً هو إبليس. فآدمُ ما كان ليمدَّ يدَهُ إلى الشجرةِ التي نهاهُ اللهُ تعالى عنها لولا أنَّ الشيطانَ زيَّنَ له ذلك. ولقد تفنَّنَ الشيطانُ في تزيينِه هذا، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ ما أوردَه اللهُ تعالى لنا من خطابِ هذا التزيين: “مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ”، “يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى”. ولم يكتفِ الشيطانُ بما افتراهُ على اللهِ تعالى من كذبٍ بزعمِه أنَّ الشجرةَ التي نهى اللهُ تعالى آدمَ وزوجَه عنها هي “شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى”، فبالغَ في كذبِه على اللهِ تعالى إذ أقسمَ باللهِ لهما إنه لا يقولُ إلا الحق: ” وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ”.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ آدمَ ما كان له أن يُقدِمَ على مخالفةِ أمرِ الله وعصيانِه لولا غوايةُ الشيطانِ له. فآدمُ لم يكن ليُخرَجَ من الجنةِ لولا غوايةُ إبليسَ له. ولذلك نسبَ اللهُ تعالى خروجَ آدمَ وزوجِه من الجنة إلى الشيطان: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ).
فالشيطانُ إذاً هو من أخرجَ أبوينا، آدمَ وزوجَه، من الجنة. وهذه حقيقةٌ من حقائقِ القرآنِ العظيم يتعيَّنُ علينا أن نقدِرَها حقَّ قدرِها وذلك لِما لها من عظيمِ أثرٍ على تبيُّنِ العلةِ من وراءِ أمرِ اللهِ تعالى للملائكةِ بأن يسجدوا لآدم! فاللهُ تعالى ما أمرَ الملائكةَ بأن يسجدوا لآدمَ إذاً إلا لكي يضطرَّ إبليسَ إلى إعلانِ عصيانِه وتمرُّدِه وإلى الجهرِ بعداوتِه لآدمَ الذي توهَّمَ أنَّ اللهَ تعالى قد كرَّمَه عليه؛ هذه العداوةُ التي لولاها لما خرجَ آدمُ وزوجُه من الجنة، ولَما أُهبِطا إلى الأرض، ولَما بدأت مسيرةُ بَني آدمَ على هذه الأرض والتي قدَّرَ لها اللهُ تعالى أن تمتدَّ إلى يومِ القيامة.
وهنا لابد من التشديدِ على حقيقةٍ ما كنا لنحيطَ بها لولا أنَّ اللهَ تعالى قد كشفَ لنا النقابَ عنها في قرآنِهِ العظيم. وهذه الحقيقةُ مفادُها أنَّ الإنسانَ ما كان له أن يظهرَ منه الوجهُ الذي نعرفُه به لولا تلك الأكلةُ التي ما كان ليُقدِمَ عليها أبوانا لولا غوايةُ الشيطانِ لهما. وهذا ما سوف أتطرَّق إليه إن شاء الله في منشورٍ قادمٍ عنوانُه: “دورُ الشجرةِ التي أكل منها آدمُ وزوجُه في مسارِ تخلُّقِ الإنسان”.
