
نقرأُ في سورةِ الكهف، وفي الآيةِ الكريمة 25 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا). فلماذا لبِثَ أصحابُ الكهف في كهفهم هذه المدةَ من الزمانِ لا أكثرَ منها ولا أقل؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ السياقَ الزمَني لتسلسلِ الأحداثِ التي انتهت بالتجاءِ أصحابِ الكهف إلى الكهف فراراً من قومِهم المشركين: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى. وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا. هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا. وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا) (13- 16 الكهف).
وهذا السياقُ الزمني قد انقطعَت وقائعُه وأحداثُه جراء المدةِ من الزمان التي تعيَّنَ على أصحابِ الكهف أن يلبثوها في كهفِهم. فأصحابُ الكهفِ ظنوا، ومن بعدِ أن أيقظهم اللهُ تعالى من نومِهم، أنَّهم ما لبثوا غيرَ يومٍ أو بعضِ يوم: (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) (19 الكهف).
ولكن الأمرَ كان خلافَ ما كانوا يظنون! إذ أنَّ سياقاً زمنياً آخرَ كانت وقائعُه وأحداثُه تجري وأصحابُ الكهفِ في كهفِهم نائمون! فلقد تغيرت أحوالُ الدنيا وخلفَ من بعدِ قومِهم المشركين قومٌ آخرون آمنوا باللهِ الذي كان أصحابُ الكهفِ به يؤمنون: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) (21 الكهف).
ولذلك فلم يعُد هناك من موجبٍ لبقاءِ أصحابِ الكهفِ في كهفِهم أما وأنَّ القومَ المشركين قد خلفَهم قومٌ مؤمنون. وكانت المدة من الزمانِ التي استغرقَها الأمرُ حتى يبيدَ القومُ المشركون، ويستخلفَ اللهُ تعالى من بعدِهم قوماً مؤمنين، هي 309 من السنين.
