دَورُ الشجرةِ التي أكلَ منها آدمُ وزوجُه في مسارِ تخلُّقِ الإنسان

هل كان الإنسانُ ليظهرَ بوجهِه الذي نعرفُه لو أنَّ أبوَيه، آدمَ وزوجَه، لم يأكلا من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ تعالى عنها؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الحقائقَ التي بيَّنَها لنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بشأنِ ما أصبحَ عليه الإنسانُ بُعيدَ تلك الأكلةِ التي لم يعُد بعدها آدمُ وزوجُه إلى ما كانا عليهِ قبلها. وأولى هذه الحقائقِ ما لحقَ بجسمِ الإنسان من تغيُّراتٍ بايو-كيميائية حتَّمت عليه وجوبَ أن يسقطَ عنه لِباسُه الشَّعري: (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) (من 22 الأعراف). فآدمُ وزوجُه لم يُضطرَّا إلى أن يخصفا عليهما من ورقِ الجنة إلا لأنهما أكلا من تلك الشجرةِ فتعيَّنَ عليهما أن يعرَيا، وذلك مصداقَ قولِ اللهِ تعالى: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى) (117- 118 طه). فالإنسانُ ما أصبح عارياً إلا بسببٍ من تلك الأكلةِ التي كان اللهُ تعالى قد حذَّرَ أبوَيه منها: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا) (من 26 الأعراف).
فبَنو آدمَ ما ألجأهم إلى أن يواروا أجسامَهم، فيُغطوها بما أنزلَه اللهُ تعالى عليهم من لباسٍ وريش، لولا ما كان قد جرَّهُ على أبوَيهم، آدمَ وزوجِه، أكلُهما من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ تعالى عنها؛ تلك الشجرةُ التي ما كانت يدُ آدمَ لتمتدَّ إليها لولا غوايةُ الشيطانِ له. فالشيطانُ إذاً هو مَن نزعَ عن آدمَ وزوجِه لباسَهما، وهو الذي تسبَّبَ في عريِهما وجعلِهما يريانِ جسميهما الذي كان اللهُ تعالى قد واراهُ عنهما بما كان قد جعلَه عليهما من لباسٍ شَعري: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا) (من 27 الأعراف).
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ القرآنَ العظيم قد كشفَ لنا النقابَ عن العلةِ من وراءِ عَري الإنسان؛ هذا العَريُ الذي لا يزالُ العِلمُ، وحتى هذه اللحظة، عاجزاً عن أن يجدَ له أيَّ تعليلٍ يتناسبُ مع ما تقومُ عليه مقاربتُه للإنسان. فالعلمُ يزعمُ أنَّ الإنسانَ صنيعةُ الطبيعةِ ونِتاجُها، وأنَّه قد نشأَ وتطوَّرَ في ظلِّ قوانينِها كما نشأ وتطوَّر أسلافُه من حيوانِ الأرض! وهذا زعمٌ، لو صحَّ، لكان بمقدورِ القائلين به من علماءِ التطور أن يعلَّلوا لعَري الإنسان!
وهنا لابد من التشديدِ على حقيقةٍ مفادُها أنَّ سقوطَ لباسِ آدمَ وزوجِه عنهما لم يكن إلا واحداً من آلافٍ مؤلَّفة من التغيُّراتِ البايو-كيميائية التي تعرَّضَ لها جسمُ الإنسان جراءَ أكلِ أبوَيه من تلك الشجرة. ومن بين هذه التغيُّرات ما أصبح عليه الإنسانُ من عدوانيةٍ مفرِطة لا ضابطَ لها إذا ما أمِنَ العقوبة! وهذه العدوانيةُ المفرطة المنفرطة، وغيرُ المنضبطة، هي ما بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (24 الأعراف).
يضطرُّنا تدبُّرُ ما تقدَّم إلى الخلوصِ إلى نتيجةٍ مفادُها أنَّ تخلُّقَ الإنسانِ ما كان له ليتَّخذَ مسارَه الذي انتهى إلى الإنسانِ كما نعرفُه لولا أكلُ آدمَ وزوجِه من تلك الشجرة! ويُرجِعُنا ذلك إلى أمرِ اللهِ تعالى للملائكةِ بأن يسجدوا لآدم؛ هذا الأمرُ الذي لولاه ما كان لإبليسَ أن يُفصِحَ عما كان يعتملُ داخلَه، ولما انتهى به عدواً للإنسانِ مُبيناً، ولَما جعلته عداوتُه هذه يُلاحقُ آدمَ بالإغواءِ والتزيينِ حتى أكلَ آدم من تلك الشجرةِ وسرى سمُّها في دمِه، وفي دمِ ذريتِه، فجعلَ من الإنسانِ الإنسانَ الذي نعرف.

أضف تعليق