
أمرَ اللهُ تعالى سيدَنا موسى وأخاهُ سيدَنا هارون بأن يذهبا إلى فرعون: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (43- 44 طه). وما كان اللهُ تعالى ليُرسِلَ سيدَنا موسى إلى فرعونَ الطاغية هكذا ومن دون أن يؤيِّدَه بآياتٍ سمَّاها قرآنُه العظيم بـ “الآياتِ الكبرى”: (لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى. اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) (23- 24 طه). وكان عددُ هذه الآياتِ الكبرى تسعاً:
1- (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا) (101 الإسراء).
2- (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (12 النمل).
فما هي العلةُ من وراءِ إرسالِ اللهِ تعالى لسيدِنا موسى إلى فرعونَ وقومِه بتسعِ آياتٍ لا أكثرَ من ذلك ولا أقل؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذه العلةِ أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى قضى على قومِ سيدِنا موسى بأن يتيهوا في أرضِ سيناءَ أربعين عاماً: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (26 المائدة). وهذه الأعوامُ الأربعون هي عقوبةٌ من اللهِ تعالى على ما كان من قومِ سيدِنا موسى إذ اتخذوا العجلَ بينما كان سيدُنا موسى عليه السلام في خلوتِه مع اللهِ تعالى التي كانت مدتُها ثلاثين يوماً فزادَها اللهُ تعالى عشراً لتصبح أربعينَ يوماً بالتمامِ والكلية. فكانت العقوبةُ الإلهيةُ تقضي بأن يكونَ اليومُ من أيامِ اتِّخاذهم العجلَ إلهاً من دونِ اللهِ تعالى بعامٍ من التَّيه.
وبناءً على ما تقدَّم، يكونُ عددُ آياتِ سيدِنا موسى التسع بعددِ السنواتِ التسع التي قضاها سيدُنا موسى يرعى غنمَ سيدِنا شعيب: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ. قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ. قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) (25- 28 القَصَص).
فالأجلُ الذي قضاهُ سيدُنا موسى راعياً لغنمِ سيدِنا شعيب كان تسعَ سنوات، وهو أجلٌ بين الأجّلين: بين ثمانِ سنواتٍ وعشر. وآياتُ سيدِنا موسى الكبرى كانت تسعاً بعددِ سنواتِ خدمتِه هذه.
