
ما كان اللهُ تعالى ليعذِّبَ قوماً، بعذابٍ من عندِه، إلا من بعدِ أن يتعدُّوا حدودَه التي سبقَ له وأن بيَّنَها لهم فيما أنزلَه عليهم من كتاب. فإن أحجمَ القومُ عن تعدِّي حدودِ الله كفَّ عنهم عذابَه إلى أجَلٍ هم بالغوه لا محالة إن هم عادوا إلى ما كانوا عليه من تعدٍّ لحدوده:
1- (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) (19 الأنفال).
2- (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) (8 الإسراء).
فاللهُ تعالى ما كان ليُغيِّرَ نعمةً أنعمَها على قومٍ حتى يكونوا هُم البادئين بتغييرِ ما أوجبَه عليهم من فرائضَ وعبادات:
1- (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (53 الأنفال).
2- (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) (من 11 الرعد).
فعذابُ اللهِ لا يُنزِلُه اللهُ بساحةِ قومٍ إلا وفقَ ضوابطَ ومحدِّداتٍ تكفَّلَ بِتِبيانِها قرآنُه العظيم. وعودةُ اللهِ تعالى إلى تعذيبِ مَن عادَ إلى تعدِّي حدودِه والمخالفةِ عن أمرِه قد جعلَها اللهُ تعالى مشروطةً بهذه الضوابطِ والمحدِّدات: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) (52 التوبة).
فالعذابُ الذي يُنزِلُه اللهُ من عندِه بساحةِ قومٍ عصَوهُ وتعدَّوا حدودَه لا وجهَ للمقارنةِ بينه وبين أيِّ عذابٍ آخر. وما العذابُ الذي توعَّدَ اللهُ تعالى به مَن يكفرُ من بعدِ أن أنزلَ المائدةَ من السماءِ على مَن سألوه أن يُنزِلها عليهم منا ببعيد: (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) (115 المائدة).
