
وردت كلمةُ “الشر” في القرآنِ العظيم بالمعنى الذي تواضعنا عليه واصطلحنا مرةً واحدةً فحسب، وذلك في الآيةِ الكريمة 11 من سورةِ الإسراء: (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا).
وفي غيرِ هذا الموطن، لم تَرِد كلمةُ “الشر” في القرآنِ العظيم إلا بمعنىً واحدٍ يُذكِّرُ بالحقيقةِ القرآنيةِ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى هو وحدَه مَن يُمسِكُ بأسبابِ وقائعِ الوجودِ وأحداثِه، وأنَّه يبتلي الإنسانَ بالشرِّ كما يبتليه بالخير فتنةً له واختباراً وتمحيصاً: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (من 35 الأنبياء).
فالشرُّ لا يَمسُّ الإنسانَ ولا يُصيبُه من تلقاءِ نفسِه، وذلك كما يحسبُ كثيرٌ منا! فالشرُّ، كما الخير، هو بيَدِ اللهِ تعالى يُسلِّطُه على مَن يشاءُ من عبادِه وهو الحكيمُ الخبير:
1- (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا) (83 الإسراء).
2- (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ) (49 فُصِّلَت).
3- (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) (51 فُصِّلَت).
4- (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا. إِلَّا الْمُصَلِّينَ) (19- 22 المعارِج).
فالشرُّ والخير كلاهما بيَدِ اللهِ تعالى، وهو وحده مَن يملُك أن يُعجِّلَ بأيٍّ منهما فيُسلِّطَه على مَن يشاءُ من عِبادِه، وهو أعلمُ بما ينفعُهم وما يضرُّهم، وهو النافعُ الضارُّ الذي يعلمُ خلقَه:
1- (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (11 يونس).
2- (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (13- 14 المُلك).
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ مواطنِ ورودِ كلمةِ “الشَّر” في القرآنِ العظيم، أنَّ الشرَّ بمعناه الفلسفي لا وجودَ له في عالَمٍ لا يحدثُ فيه شيءٌ إلا بِعلمِ الله القوي العزيز. فالعالَمُ، قبل أن يخلقَ اللهُ تعالى الجِنَّ والإنس، لم يكن يعرفُ الشرَّ. وما عرفَ العالَمُ الشرَّ إلا على يدِ أشرارِ الجِنِّ والإنس الذين عاثوا فيه فساداً فكانَ حقاً على اللهِ تعالى أن يُعجِّلَ بعذابِهم إن شاء أو أن يؤجِّلَه ليومٍ تشخصُ فيه الأبصار:
1- (إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ) (14 ص).
2- (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) (32 الرعد).
3- (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (من 109 يوسف).
4- (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (61 النحل).
ولكن، هل تطرقَ القرآنُ العظيم إلى الحديثِ عن “الشر في العالَم” بالمعنى الذي نعرفُه؟ هذا ما سوف أتحدَّثُ عنه إن شاء الله في منشورٍ لاحقٍ عنوانه “في معنى كلمة “شر” في القرآنِ العظيم”.
