
نقرأُ في سورةِ يوسف، وفي الآيةِ الكريمة 42 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِين). فكم من السنين لبِث سيدُنا يوسف في السجن؟
يعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ جملةً من الحقائقِ القرآنية، أولاها أنَّ اللهَ تعالى ما خلقَ سبعَ سمواتٍ، ومن الأرضِ مثلهن، إلا تعظيماً وتمجيداً لليومِ الذي استوى فيه على العرش من بعدِ أن خلقَ السمواتِ والأرض في ستةِ أيام، أي في اليومِ السابع:
1- (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (من 59 الفرقان).
2- (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) (من 12 الطلاق).
وثاني هذه الحقائق القرآنية أنَّ اللهَ تعالى ما قضى على قومِ سيدِنا موسى بأن يتيهوا في أرضِ سيناءَ أربعين سنةً إلا عقوبةً لهم على اتِّخاذهم العجلَ إلهاً من دونِه في الأربعين يوماً التي قضاها سيدُنا موسى بعيداً عنهم في خلوتِه مع اللهِ تعالى:
1- (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (26 المائدة).
2- (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) (من 142 الأعراف).
فعقوبةُ اليومِ الذي قضاه قومُ سيدِنا موسى في عبادتِهم العجل إذاً كانت بِسنة.
وثالثُ هذه الحقائقِ القرآنية هي أنَّ اللهَ تعالى ما أرسلَ سيدَنا موسى بتسعٍ من آياتِه الكبرى إلا مكافأةً له على السنواتِ التسعِ التي قضاها في خدمةِ سيدِنا شعيب يرعى له الغنم، فكانت كلُّ آيةٍ من هذه الآياتِ الكبرى بِسنةٍ من سنواتِ تلك الخدمة: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ. قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) (٢٧- ٢٨ القصص).
وبالقياسِ على ما تقدَّم يكونُ عددُ السنين التي لبِثَها سيدُنا يوسف في السجنِ هو سبعَ سنين، وذلك لأنَّ اللهَ تعالى أرادَ أن يُبيِّنَ للملكِ عظيمَ قدرِ سيدِنا يوسف عنده فأراهُ سبعَ بقراتٍ سِمان وسبعَ بقراتٍ عِجاف وسبعَ سنبلاتٍ خُضر وسبعَ سنبلاتٍ يابسات: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) (43 يوسف).
ولقد شدَّدَ اللهُ تعالى على عظيمِ قدرِ سيدِنا يوسف عنده مرةً أخرى إذ أنبأه بتأويلِ رؤيا الملِك، وجعلَ هذا التأويلَ يُذكِّرُ بعددِ السنين التي لبثَها سيدُنا يوسف في السجن: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (47- 49 يوسف).
