في معنى “وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا” في الآية الكريمة ١١٣ من سورة المائدة

نقرأُ في سورةِ المائدة، وفي الآيتَين الكريمتَين 112- 113 منها، قولَ اللهِ تعالى: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ). فما الذي قصدَ إليه “الحواريون” بقولِهم “وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا”؟
يُعينُنا على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادها أنَّ “الحواريين” لم يكن الواحدُ منهم حديثَ عهدٍ بصحبةِ سيدِنا عيسى ابن مريم، وبالتالي يكون قد شهدَ بأمِّ عينِه ما ليس باليسيرِ إحصاؤه من “آياتِ الله” التي أذِنَ لها اللهُ تعالى أن تتجلَّى حيثما حلَّ سيدُنا عيسى وارتحل. فالقومُ كانوا قد شهدوا من الخوارقِ والعجائبِ والغرائبِ ما لم يكن ليجعلَهم يقولون “وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا” لولا أنَّهم كانوا يريدون شيئاً بِعينِه بقولِهم هذا. وهذا الشيءُ لا يمكنُ أن يكونَ غيرَ ذي صلةٍ بما سبقَ لهم وأن سمعوا سيدَنا عيسى يذكره ويتحدَّثُ عنه من “آياتِ الله” التي لم يتأتَّ لهم أن يكونوا عليها شهوداً وذلك لأنها حدثت في زمانٍ سبقَ صحبتَهم له عليه السلام. ومن هذه الآياتِ تلك التي حفظتها لنا الآيةُ الكريمة 37 من سورةِ آل عمران: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ). فالحواريون كانوا يريدون أن يستوثقوا من صدقِ سيدِنا عيسى الذي أخبرهم كيف كانت الملائكةُ تأتي السيدةَ مريم برزقٍ من السماء (أي من الجنة).
وهنا لابد من التشديدِ على أنَّ “الحواريين” قد جانبوا الصوابَ بسؤالهم سيدَنا عيسى إن كان بمقدورِ اللهِ تعالى أن ينزِّلَ عليهم مائدةَ طعام من الجنة! فهل يُعقَلُ أن يصدرَ هكذا سؤالٌ عن قومٍ صحبوا المسيحَ الذي نقرأُ في سورةِ مريم أنَّه عليه السلام قد قال: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ)؟!

أضف تعليق