
نقرأُ في سورةِ الروم، وفي الآياتِ الكريمةِ 1- 7 منها، قولَ اللهِ تعالى: (الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ). فما هو معنى “وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ”؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى لم يخلق الإنسانَ بعقلٍ قادرٍ، وحدَه، على أن يتبيَّنَ أنَّ هنالكَ “عالماً آخر” يعقبُ هذا العالَمَ الذي تكادُ حواسُه كلُّها جميعاً أن تُقسِمَ له بأنَّه العالَمُ الأوحد! فعالَمُ الآخرة لم يكن للإنسانِ أن يعلمَ بشأنِه لولا أنَّ اللهَ تعالى أنبأَه به عن طريقِ رسُلِه الذين أرسلَهم بكتبِه ورسالاتِه.
ويُخطئُ مَن يتوهَّمُ أنَّ بمقدورِ العلمِ أن يُزوِّدَ الإنسانَ بما يُمكِّنُه من أن يتبيَّنَ بطلانَ ما تقولُه له حواسُّه من ألا عالمَ يعقبُ عالمَه هذا! فالعلمُ لا يملكُ غيرَ أن يوافقَ حواسَّ الإنسانِ فيما تذهبُ إليه من أنَّ هذا العالمَ هو العالمُ الوحيدُ والأوحد! ويؤكِّدُ ذلك عجزُ العلمِ عن “تقبُّل” ما يقولُ به الدينُ من تفاصيلَ تخصُّ “عالَمَ الآخرة”! فكلُّ ما في الآخرةِ من وقائعَ وأحداث هي، بنظرِ العلم، مستحيلاتٌ لا يمكنَ له أن يقبلَ بها، وذلك طالما كانت تتعارضُ مع “الأسسِ” التي استقامَ عليها صرحُه وشُيِّدَ فوقَها بُنيانُه!
ويكفينا هنا أن نستذكرَ بعضاً مما أنبأنا به القرآنُ العظيم من أخبارِ يومِ القيامة والجنةِ والنار! فأحداثُ يومِ القيامة، وما أعدَّه اللهُ تعالى للمتقين في الجنة، وما ادخَّرَه للكافرين والمنافقين من العذابِ في النار، كلُّ أولئك يتعارضُ مع قوانينِ العلمِ التي يقومُ بها وعليها هذا العالَم! ولأنَّ العلمَ لا يريدُ أن يصدِّقَ أن هنالك مَن بمقدورِه أن يتسلَّطَ على قوانينِه بـ “قوانينَ أخرى” يومَ يأذنُ اللهُ تعالى بزوالِ هذا العالَم، وبمجيءِ “عالَمِ الأخرة”، فليس أمامنا إذاً غيرَ أن نقرأَ ونتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى: “وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ”.
