
نقرأُ في سورةِ العنكبوت، وفي الآيتَين الكريمتَين 39- 40 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ. فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). فما هو معنى “وَمَا كَانُوا سَابِقِين”؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ونتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ. عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) (60- 61 الواقعة). فاللهُ تعالى هو الغالبُ على أمرِه والقاهرُ فوقَ عبادِه وهو مَن له الكبرياءُ في السمواتِ والأرض، وهو الذي لا يحولُ شيءٌ دون أن يفعلَ ما يشاء ولا قدرةَ لأحدٍ على أن يعترضَ سهمَ إرادتِه فيمنعَ تحقُّقَ مشيأتِه. واللهُ تعالى إذا ما أرادَ بقومٍ سوءاً فلن يملكَ أحدٌ ما يدفعُ به عنهم أمرَه أما وقد جاء. فاللهُ سابقٌ بأمرِه غيرُ مسبوقٍ بأمرِ أحدٍ حتى يكونَ له أن يعترضَ أمرَه إذا ما جاء. وكلُّ مَن نزلَ بساحتِه عذابُ الله لم يكن له من ملجأٍ من أمرِ اللهِ إذ جاء، فما كانوا بذلك سابقين وما كان اللهُ بمسبوقٍ من أحدٍ منهم، وكلٌّ منهم ما كان له أن يوجدَ لولا أنَّ اللهَ تعالى سبقَ فأعطاهُ خَلقَه ثم هدى.
