
لما اشتدَّ المرضُ بسيدِنا أيوب وضعفَ جسمُه وأصبحَ لا يقوى على التصدِّي لنزغِ الشيطان وهمزاتِه وكيدِه وصوتِه، لم يجد غيرَ أن يتوجَّهَ إلى اللهِ تعالى يشكو إليه مُصابَه وما ألمَّ به من وهنٍ خافَ أن لا يقوى معه على التصدِّي، وحدَه، لمحاولاتِ الشيطانِ أن يحيدَ به عن صراطِ اللهِ المستقيم فيكونَ بذلك من الهالكين: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) (41 ص).
ويُخطئُ مَن يظنُّ أنَّ ما كان سيدُنا أيوب يُشيرُ إليه بـ “النُّصبِ والعذاب” موصولٌ بما كان يعاني منه جسمُه جراءَ إصابتِه بذاك الداءِ الوبيل الذي أعجزَ حكماءَ وأطباءَ زمانِه عن أن يجدوا له دواءً ناجعاً وعلاجاً شافياً! فسيدُنا أيوب ما كان لينسبَ إلى الشيطانِ علةَ مصابِ جسمِه وهو يعلمُ علمَ اليقين أنَّ ما أصابَه إنما كان من اللهِ تعالى وبأمرِه ومشيئتِه! فسيدُنا أيوب كان يعلمُ عِلمَ اليقين أنَّ الشيطانَ لم يأذن له اللهُ تعالى بغيرِ ما أجازَه به من غوايةٍ للإنسانِ وفتنةٍ وتزيينٍ ونزغٍ علَّه أن يحيدَ عن صراطِ اللهِ المستقيم:
1- (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (16- 17 الأعراف).
2- (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) (64 الإسراء).
فالشيطانُ لم يأذن له اللهُ تعالى بأن يكونَ المتسبِّبَ بأيِّ مرضٍ أو علةٍ أو داءٍ يصيبُ جسمَ الإنسانِ أو عقلَه.
