
نقرأُ في سورةِ يوسف، وفي الآياتِ الكريمة 30- 33 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ. قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ. قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ). فما هو معنى “وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ”؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ما كان قد حدثَ بين امرأةِ العزيز وسيدِنا يوسف يومَ راودته عن نفسِه أولَ مرة: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ. وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (23- 24 يوسف).
فاللهُ تعالى هو مَن قام بنفسِه بصرفِ السوءِ والفحشاءِ عن سيدِنا يوسف إذ أراهُ “برهانَ ربِّه”. وهذا “التدخُّلُ الإلهي المباشر” ما كان لسيدِنا يوسفَ أن يحظى به لولا أنه كان من عبادِ اللهِ المخلَصين. ويُخطِئُ مَن يظنُّ أنَّ سيدَنا يوسفَ كان بمقدورِه، وحدَه، أن يُفلِحَ في صَدِّ امرأةِ العزيز ومنعِها من الوصولِ إلى مرادِها! فاللهُ تعالى هو مَن حالَ، بنفسِه، دون أن يكونَ لامرأةِ العزيز ما أرادت.
ولذلك دعا سيدُنا يوسف اللهَ تعالى أن يصرفَ عنه كيدَ امرأةِ العزيزِ وصاحباتِها، لعِلمِه اليقين بأنَّه لن يكونَ بمقدورِه، وحدَه، أن ينجوَ من كيدِهن هذا إن لم يقم اللهُ تعالى بالأمرِ بنفسِه تدخلاً مباشراً من لدنه يحولُ بينهن وبينه. وهذا ما قد تحقق بالفعل إذ أبعدَ اللهُ تعالى سيدَنا يوسفَ عن امرأةِ العزيزِ وصاحباتِها: (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) (34- 35 يوسف).
وهنا لابد من التشديدِ على حقيقةٍ مفادُها أنَّ اللهَ تعالى ما كان ليتدخَّلَ تدخلاً مباشراً ليحولَ دون أن يتحققَ لامرأةِ العزيزِ مرادُها لولا أنَّ سيدَنا يوسفَ كان أهلاً لتلقِّي عونِ اللهِ تعالى، وذلك لما كان عليه من صلاحٍ وتقوى وحسنِ ظنٍّ باللهِ تعالى وصدقِ توكُّلٍ عليه.
