
يسَّرَ اللهُ تعالى قرآنَه للذِّكر فجعلَ بمقدورِ مَن يتدبَّرُه أن يتبيَّنَ فرادتَه وتمايُزَه عن غيرِه من القول: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (22 القمر). فاللهُ تعالى ينادي الناسَ أن يتدبَّروا قرآنَه ليتبيَّنَ لهم أنَّه كتابُه الذي لا قدرةَ لأحدٍ على أن يأتيَ بمثلِه.
غيرَ أنَّ قومَ سيدِنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أعرضوا عن دعوةِ اللهِ تعالى لهم بأن يتدبَّروا القرآنَ: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (24 محمد). فلكأنَّ القومَ على قلوبِهم أقفالٌ فلا قدرةَ لهم والحالُ هذه على الالتفاتِ إلى ما يدعوهم إليه اللهُ تعالى! ولو أنَّ القومَ اصغوا لنداءِ اللهِ تعالى لهم، فتدبَّروا قرآنَه، لتبيَّنَ لهم أنَّ هذا القرآنَ لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء).
وهذا الإعراضُ عن الاصغاءِ لنداءِ اللهِ تعالى، والإحجامُ بالتالي عن تدبُّرِ قرآنِه، هو ما سمَّاهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم “هَجرَ القرآن”: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (30 الفرقان). فكلُّ مَن لم يُصغِ لنداءِ اللهِ الداعي إلى تدبُّرِ قرآنِه قد هجرَ القرآنَ كما سبقَ وأن هجرَه كفارُ قريش بإعراضِهم عن تدبُّرِه.
فلا يمكنُ لأحدٍ أن يتدبَّرَ القرآنَ من دونِ أن يُوقِنَ بأنَّه كتابٌ لا قدرةَ لمخلوقٍ على أن يأتيَ بمثلِه: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (88 الإسراء).
