شتانَ ما بين فرعونَ الطاغية وبين الملِك في سورةِ يوسُف وملِكة سبأ!

نقرأُ في سورةِ النمل، وفي الآياتِ الكريمةِ 32- 35 منها، قولَ اللهِ تعالى: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ. قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ. قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ. وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُون). يُبيِّنُ لنا تدبُّرُ هذه الآياتِ الكريمة أنَّ ملكةَ سبأ كانت لا تُقدِمُ على اتِّخاذٍ قرارٍ حتى تَعرضَ الأمرَ على صفوةِ مستشاريها وعِليةِ القومِ من أهلِ الحَلِّ والعَقد.
ويُذكِّرُنا هذا السلوكُ الحَسِن بما قامَ به الملكُ في سورةِ يوسف من عرضٍ لرؤياه على صفوةِ مستشاريه وخُلَّصِ أتباعِه: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) (43 يوسف). وهذا السلوكُ الحَسِن من جانبِ الملكِ في سورةِ يوسف لَينمُّ عما كان عليه من وعيٍ وإدراك بأنَّ الفلاحَ هو في الاستشارة، وأنَّ الاعتدادَ بالرأي والإعراضَ عن المشورة لن ينجمَ عنهما إلا الخسرانُ المبين.
قارن ما كان من أمرِ ملكةِ سبأ، وما كان من أمرِ هذا الملكِ الحكيم، بما أنبأنا به قرآنُ اللهِ العظيم من أمرِ فرعونَ الطاغية الذي بوسعنا أن نتبيَّنَ بعضاً مما كان عليه من طغيانٍ واستعلاءٍ في الأرضِ بغيرِ الحق بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى:
1- (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (من 29 غافر).
2- ( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى. وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى. فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى. فَكَذَّبَ وَعَصَى. ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى. فَحَشَرَ فَنَادَى. فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) (17- 24 النازعات).

أضف تعليق