
نقرأُ في سورةِ يوسف، وفي الآيةِ الكريمة 36 منها، تفاصيلَ رؤيا صاحبَي سيدِنا يوسف في سجنِه: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
كما ونقرأُ في سورةِ يوسف أيضاً، وفي الآيةِ الكريمة 46 منها، تفاصيلَ رؤيا الملك: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ). فهل من قاسمٍ مشتركٍ بين هذه الرؤى التي قام سيدُنا يوسف بتأويلها؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذا السؤال أن نتدبَّرَ بعضاً من الكلماتِ القرآنيةِ التي وردَت فيما تقدَّمَ من آياتٍ كريمة: “إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا”، “إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ”، “سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ”، “وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ”.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذه الكلماتِ القرآنيةِ الكريمة، أنَّ القاسمَ المشتركَ بين هذه الرؤى الثلاث هو الطعام.
قارن هذه الرؤى، آخذاً بنظرِ الاعتبار قاسمِها المشترك هذا، بالرؤيا التي رآها سيدُنا يوسف: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) (4 يوسف). فرؤيا سيدِنا يوسف هذه تمايزت عن رؤيا صاحبَي سجنه وعن رؤيا الملِك بهذا الذي انطوت عليه من تبيانٍ لعظيمِ قدَرِه الذي قدَّرَه له اللهُ تعالى؛ هذا القدَرُ الذي تجاوزَ ما هو شخصي (كما في رؤيا صاحبَيه في السجن)، كما تجاوزَ ما هو موصولٌ بالقدَرِ الجماعي لأهلِ مصرَ كلِّهم جميعاً ولمن كان حواليهم من الأقوام. فقدَرُ سيدِنا يوسف هو من عظيمِ قدْرِه عندَ اللهِ تعالى؛ هذا القدْرُ الذي لا يرقى إليه قدْرُ أولئك الذين رسمت أقدارَهم تلك الرؤى الثلاث.
