
نقرأُ في سورةِ ص، وفي الآيةِ الكريمةِ 69 منها، قولَ اللهِ تعالى: (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ). ففيمَ كان اختصامُ الملأ الأعلى؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الآياتِ الكريمةَ 31- 33 من سورةِ البقرة: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ).
فاللهُ تعالى أرادَ من وراءِ “اختبارِ الأسماء” هذا أن يكشفَ للملائكةِ النقابَ عن جانبٍ من “حقيقةِ آدم”؛ هذه الحقيقةُ التي ما كان لهم أن يتبيَّنوها، وحدَهم، أما وأنَّ اللهَ تعالى لم يُطلعهم عليها. وبمقتضى هذا الجانبِ من “حقيقةِ آدم”، والذي بيَّنَه اللهُ تعالى للملائكة، فإنَّ “استخلافَ” آدم في الأرض لم يعُد ليشكِّلَ مادةً يختصمُ الملائكةُ جراها فيُبدي بعضُهم ما يكتمه البعضُ الآخر، وذلك كما كانوا يفعلون من بعدِ ما أبلغَهم اللهُ تعالى بأنَّه “جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً”.
فاختصامُ الملائكةِ إذاً كان بشأنِ العلةِ من وراءِ أمرِ اللهِ تعالى باستخلافِ آدمَ في الأرض، ولم يكن بشأن خِلقتِه من طين أو بشأنِ أمرِ اللهِ تعالى لهم بأن يسجدوا له.
