“عَمَلُ الشَّيطان” كما عرَّفَنا به القرآنُ العظيم

نقرأُ في سورةِ الإسراء، وفي الآيةِ الكريمة 53 منها، قولَ اللهِ تعالى (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا).
فالشيطانُ إذاً ينزغُ بين بَني آدم لِيوقِعَ بينهم العداوةَ والبغضاء ولِيوغِرَ صدورَ بعضِهم على بعض: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (91 المائدة). فالشيطانُ كان قد أقسمَ بِعزةِ اللهِ تعالى لَيُغويَن من عبادِ اللهِ مَن دعاهُ إلى تعدِّي حدودِ اللهِ فاستجابَ له: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (22 إبراهيم).
ولقد أجازَ اللهُ تعالى الشيطانَ بفِعلِ كلِّ ما من شأنِه أن يجنحَ بالغاوين من بَني آدم بعيداً عن صراطِه المستقيم: (قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا. وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا. إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) (63- 65 الإسراء).
ويُخطِئُ مَن يظنُّ أنَّ الشيطانَ لا يتربَّصُ إلا بالضالين من بَني آدم! فلقد بيَّنت لنا سورةُ القصَصِ ما قام به الشيطانُ من عملٍ أرادَ به أن يحيدَ بِسيدِنا موسى عن صراطِ اللهِ المستقيم، وذلك بجعلِه يقومُ بوكزِ عدوَّه وكزةً قضت عليه: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ) (15 القصَص).
كما وبيَّنت لنا سورةُ يوسف ما قامَ به الشيطانُ من نزغٍ بين سيدِنا يوسف وبين إخوتِه: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (100 يوسف).
ولقد بيَّنت لنا سورةُ ص ما قامَ به الشيطانُ من إلقاءٍ لبذورِ الشكِّ واليأسِ والقنوط في رَوعِ سيدِنا أيوب فجعله ذلك يعاني من النَّصَبِ والعذاب ما ألجأه إلى اللهِ تعالى بدعائه: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) (41 ص).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ الشيطانَ يتربَّصُ ببني آدم كلِّهم جميعاً حتى مَن كان منهم نبياً من المرسَلين! غير انَّ ما يميِّزُ عبادَ اللهِ المخلَصين، من الأنبياءِ والصالحين، أنَّهم ما أن يتبيَّنوا تربُّصَ الشيطانِ بهم حتى يتوجَّهوا إلى اللهِ تعالى يستعيذونَ به من نزغه وهمزاتِه وغوايتِه.

أضف تعليق