
يكفلُ لنا تدبُّرُ القرآنِ العظيم تبيُّنَ جملةٍ من الحقائقِ ما كان لنا أن نحيطَ بها لولا ما انطوت عليه آياتُه الكريمة من دلالاتٍ وإشارات. ومن ذلك، هذا التمايزُ القائمُ بين عالَمِ الإنسانِ وعالَمِ الحيوان. فعالَمُ الطبيعة، وبما يشتملُ عليه من عوالمَ عالَمِ الحيوانِ واحدٌ منها، لا يظهرُ فيه أيُّ أثرٍ من آثارِ “الفساد” الذي يسودُ عالمَ الإنسان! فالإنسانُ مخلوقٌ، هو بطبيعتِه، مفسدٌ في الأرضِ ميالٌ إلى العدوانِ الظالمِ، جانحٌ إلى كلِّ ما يجعلُه يؤثِرُ تعدِّيَ “حدودِ الله”؛ هذه الحدود التي ما تمايزَ عالَمُ الإنسانِ عن عالَمِ الطبيعةِ، إفساداً في الأرضِ وسفكاً للدماء، إلا بتعدِّي الإنسانِ لها!
ونُخطئُ إن نحن قرأنا ما يجري في عالَمِ الحيوانِ من أحداثٍ بعينِ عقلٍ تُماهي بينها وبين ما يحدثُ في عالَمِ الإنسان! ومن ذلك قراءتُنا للتصارعِ في عالَمِ الحيوان بدلالةٍ مما يقومُ عليه عالَمُ الإنسانِ من تصارعٍ بين بَني آدم! فإذا كان الإنسانُ قد جُبِلَ على معاداةِ أخيه الإنسان، فإنَّ الحيوانَ لا يُعادي “نظيرَه في الخلق” من الحيوان إلا وفقاً لِما شرعَه اللهُ تعالى من قوانينَ سمَّاها الإنسانُ، ظلماً منه وجهلاً ، بـ “شِرعة الغاب”! فعِلةُ الصراعِ في عالَمِ الحيوان قائمةٌ على أساسٍ من هذه القوانين التي ليس بالعسيرِ تبيُّنُ “أثارِ رحمةِ الله” فيها. فالعدوانُ في عالَم الحيوان مُقنَّنٌ منضبط، وأنى له أن يكونَ خلافَ ذلك واللهُ تعالى قد “أعطى كلَّ مخلوقٍ فيه خلقَه ثم هدى” شرعةً لا يحيدُ عنها حيوانٌ إلى إذا ما اضطرَّه إلى ذلك “مرضٌ عضال” أو “ظروفٌ” تجعلُه بإذنِ اللهِ تعالى في حِلٍّ من الالتزامِ بهذه الشِّرعة!
ويكفينا على ذلك دليلاً وبرهاناً أنَّ الغابةَ التي يزعمُ الإنسانُ أنَّ “شِرعةَ الغاب” هي ما يسودُ فيها من قانون، لا يزالُ يتعايشُ فيها أكثرُ المخلوقاتِ وداعةً وضعفاً مع أشدِّها شراسةً وضراوة! فلو صحَّ زعمُ القائلين بـ “شِرعةِ الغاب”، لانقرضَ الأرنبُ بعد انقضاءِ عشرات الملايين من السنين من تواجدِه في الغابة مع الذئبِ والنمرِ والأسد!
