
نقرأُ في سورةِ الكهف، وفي الآية الكريمة 16 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا).
يكفلُ لنا تدبُّرُ قولِ اللهِ تعالى هذا أن نتبيَّنَ الإجابةَ على السؤال: “ولماذا التجأَ أصحابُ الكهف إلى الكهفِ أصلاً؟”. فأصحابُ الكهفِ لم يكن ليخطرَ لهم ببال، إذ التجأوا إلى الكهف، أنَّ اللهَ تعالى سيضربُ على أذانهم في الكهفِ مدةً من الزمانِ عرَّفنا بها قرآنُه العظيم فحدَّدها بـ 309 من السنين. فالكهفُ لم يكن ليُمثِّلَ لهم إلا مكاناً آمناً يتعبَّدون فيه للهِ تعالى بعيداً عن أنظارِ وأسماعِ قومِهم الظالمين المجرمين. فأصحابُ الكهفِ كانوا قد هجروا قومَهم، فهاجروا إلى اللهِ تعالى، فتواروا في الكهفِ ريثما يتأتَّى لهم الارتحالُ إلى أرضٍ أخرى. ولذلك فإنهم، وما أن أيقظهم اللهُ فاستيقظوا من رقدتِهم، حتى بعثوا أحدَهم إلى المدينةِ ليأتيَهم بطعامٍ وأوصوه بأن “يتلطَّف” فلا يَظهرَ منه ما قد يدلُّ القومَ عليهم: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا. إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) (من 19- 20 الكهف).
فكهفُ أصحابِ الكهفِ إذاً كان يمثِّلُ لهم “محطةً” على طريقِ هجرتِهم إلى اللهِ تعالى ارتحالاً من قومِهم في أرضِ اللهِ الواسعة. فأصحابُ الكهفِ كانوا يعلمون عِلمَ اليقين أنَّهم غيرُ معذورين ببقائهم مع قومِهم الضالين المشركين، وأنَّ اللهَ تعالى محاسِبُ أولئك الذين يحسبونَ أنَّهم بمأمنٍ من محاسبتِه لهم “أما وأنَّهم ماكثون بين ظهراني قومٍ مشركين”: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) (من 97 النساء). فاللهُ تعالى جعلَ أرضَه واسعةً لمن أرادَ أن يتعبَّدَ له وحدَه لا شريكَ له فيها:
1- (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) (56 العنكبوت).
2- (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (10 الزُّمَر).
فكهفُ أصحابِ الكهفِ، إذ كان يمثِّلُ لأصحابِ الكهف محطةً على طريقِ هجرتِهم إلى اللهِ تعالى، فإنَّه لَيُذكِّرُنا بكهفٍ آخرَ هو “غارُ ثور” الذي كان محطةً على طريقِ هجرةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم إلى اللهِ تعالى من مكةَ المكرمة إلى مدينتِه المنورة.
