في معنى قولِ اللهِ تعالى “حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا”

يبالغُ الإنسانُ في تقديرِ عقلِه ويُغالي في تعظيمِ قدرِ إرادتِه وبما ينعكسُ بالضرورةِ سَلباً على قدرتِه على صياغةِ منظورِه لنفسِه ولِما يُحيطُ به من آخرين وكينوناتٍ أخرى! فالإنسانُ لا يريدُ أن يصدِّقَ أنَّه كائنٌ لا حولَ له ولا قوةَ إلا بما أذِنَ له اللهُ تعالى أن يحظى به منهما. ويتجلَّى عجزُ الإنسانِ هذا في ظواهرَ لا يملكُ حيالَها غيرَ أن يخضعَ لها خضوعاً سبقَ وأن قدَّرَه اللهُ تعالى عليه يومَ خلقَه بشراً من طين. فالإنسانُ لا يملكُ غيرَ أن يخرجَ إلى هذه الدنيا طفلاً لن يلبثَ بعدها غيرَ سنواتٍ معدودات حتى يغادرَ عالَم الطفولةِ إلى الأبد وليشرعَ من ثمَّ في رحلةٍ يخوضُ فيها ما لا قدرةَ له على أن يحولَ دونَه مِن وعثاءِ النُّضوجِ وليعانيَ بعدها من ضعفٍ لا قدرةَ له على الفرارِ من مواجهتِه أما وقد تقدَّمَ به العُمُر: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) (54 الروم).
وهكذا فالمرأةُ التي شاءَ لها اللهُ تعالى أن تُصبِح أُماً لا تملكُ غيرَ أن تحملَ بجنينِها. فالأمرُ ليس لها، أما وقد تكاملت الأسبابُ وتم تفعيلُ آليةِ الحمل، حتى تقرِّرَ ألا تحملَ من بعدِ أن مسَّها بشرٌ وتكاملت باقي الأسباب. فتكونُ المرأةُ بذلك قد حملت بجنينِها “كُرهاً” أي “مُرغَمةً مُضطرة”، وذلك من بعدِ أن تم تفعيلُ هذه الأسباب. وتُخطئُ المرأةُ إذ تظنُّ أنَّ جسمَها مُلكٌ لها من بعدِ أن خضعت لهذه الأسباب!
وإذا كان هذا هو الحالُ مع الحملِ وما يحدثُ لجسمِ المرأة فيه من تغيُّراتٍ لا تملكُ غيرَ أن تخضعَ مضطرةً لها، فإنَّ وضعَ المرأةِ لطفلِها هو الآخر أمرٌ تضطرُّ إليه مرغمةً كارهة. فجسمُ المرأةِ قد خلقَه اللهُ تعالى وهيَّأَ له من الأسبابِ ما يُعينُها على أن تضعَ طفلَها “كُرهاً” واضطراراً.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ الكلمةَ القرآنيةَ الكريمة “كُرهاً” لا تعني على الإطلاق ما ذهبَ إليه جمهورٌ واسعٌ من المفسرين الذين أجمعوا على أنَّ هذا المعنى موصولٌ بكلِّ ما يُذكِّرُ بالمشقةِ والأوجاعِ والآلامِ التي تشتملُ عليها كلَّها جميعاً عمليةُ الحملِ والولادة. فهذه الكلمةُ القرآنيةُ الكريمة (كُرهاً) تعني “مرغمةً مضطرة”. فالمرأةُ، في حالِ تكاملت الأسباب، سوف يكونُ جسمُها مضطراً إلى جعلِها تحملُ بجنينٍ لن يكونَ بمقدورِها أن تحولَ دون خروجِه منها بعد انقضاءِ مدةِ الحمل. ويُعينُ تدبُّرُ الآيةِ الكريمة 15 الرعد على تبيُّنِ معنى كلمةِ “كرهاً”: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ). فالمخلوقاتُ تسجدُ كلُّها للهِ تعالى، فمنها مَن يسجدُ طوعاً، أي اختياراً ودون قَسرٍ أو إكراه، ومنها مَن يُضطرُّ إلى السجودِ إرغاماً وإكراهاً.

أضف تعليق