
نبالغُ في حُسنِ الظنِّ بالعِلم إذ نتوهَّمُ أنَّه لا يملكُ غيرَ أن يُطأطئَ الرأسَ مذعناً لكلِّ ما يفاجئُه به قرآنُنا العظيم من حقائقَ تتصادمُ أيما تصادُمٍ مع البُنى الارتكازيةِ التي شيِّدَ على أساسٍ منها بُنيانَه النظري. فالآياتُ التي أيَّدَ اللهُ تعالى بها أنبياءه المُرسَلين، والآياتُ التي تجلَّت في سِيَرِ السابقين من الأممِ التي جادلت في اللهِ بغيرِ عِلم، تشتملُ كلُّها جميعاً على ما لا قدرةَ للعلمِ على القبولِ به وذلك طالما أصرَّ مَن قام بصياغةِ نظرياتِه من علماءَ وفلاسفة على ألا يُخضِعوا عقولَهم لـ “منطقِ المعجزة”؛ هذا المنطقُ الذي لا يمكنُ أن يتماهى ويتطابقَ مع منطقِنا البشري، وذلك طالما كانت المعجزاتُ هي تجلياتُ القانونِ الإلهي: “كُن فيكون”.
فالعلمُ، وعلى سبيلِ المثال، يستحيلُ عليه أن يقبلَ معجزةً كمعجزةِ الطوفان! فكيف يكونُ بمقدورِ العلمِ أن يعلِّلَ، وبالاستنادِ إلى ما بين يدَيه من نظرياتٍ وقوانين، لهذا الذي يضطرُّنا إلى وجوبِ مواجهتِه قولُ اللهِ تعالى في سفينةِ سيدِنا نوح: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ) (من 42 هود)؟ فهذه الجبالُ من الماءِ قد تكوَّنت بلمحِ البصر: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) (11- 12 القمر). وكيف يكونُ بمقدورِ العلم أن يعلل بما بين يديه من نظرياتٍ وقوانين لهذا “الغيضان اللحظي” الذي تلاشى بسببه ماءُ الطوفان بلمحِ البصر: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ) (من 44 هود)
