
نقرأُ في سورةِ الروم، وفي الآيةِ الكريمة 56 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). فما هو معنى “كتاب الله” في هذه الآيةِ الكريمة؟
يُبيِّنُ لنا تدبُّرُ المواطنِ القرآنيةِ الأخرى التي وردَ فيها مصطلحُ “كتاب الله” أنَّه لن يكونَ بمقدورِنا أن نستعينَ بها لنتبيَّنَ المعنى الذي ينطوي عليه مصطلح “كتاب الله” الواردُ في هذه الآية الكريمة. فـ “كتاب الله” يأتي بمعنى “القرآن”، وذلك في المَواطِنِ القرآنيةِ التالية:
1- (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (101 البقرة).
2- (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُون) (23 آل عمران).
3- (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) (29 فاطر).
كما ويأتي مصطلحُ “كتاب الله” بمعنى “ما فرضه اللهُ وكتبَه على عبادِه الذين آمنوا”، وذلك في الآيةِ الكريمة 24 من سورةِ آل عِمران: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) (من 24 آل عمران).
ويأتي مصطلحُ “كتاب الله” أيضاً بمعنى “أُم الكتاب”، والذي هو هنا يعني “الكتابَ الذي سطرَ اللهُ تعالى فيه كلَّ ما أنزلَه على بَني آدمَ من كتاب، توراةً كان أم زبوراً أم إنجيلاً أم قرآناً”:
1- (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) (من 44 المائدة).
2- (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (75 الأنفال).
3- (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) (6 سورة الأحزاب).
4- (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) (من 36 التوبة).
يضطرُّنا تدبُّرُ ما تقدَّم إلى الإقرارِ بأن مصطلحَ “كتاب الله” في الآيةِ الكريمة 56 من سورةِ الروم أعلاه يعني أمراً آخرَ يُميطُ اللِّثامَ عنه تدبُّرُ السياقِ الذي وردَ فيه. فـ “كتابُ الله” في هذه الآيةِ الكريمة يعني ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ. قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ) (37- من 38 الأعراف). فـ “كتابُ الله” في الآية الكريمة 56 الروم أعلاه يعني إذاً “حيث يحفظُ اللهُ تعالى أنفسَ بَني آدم بعدَ موتِها وحتى قيامِ الساعة”.
