
للحقيقةِ التي يريدُ اللهُ تعالى أن يُبيِّنَها للناسِ في القرآنِ العظيم أن تعبِّرَ عنها كلماتٌ قرآنيةٌ تختلفُ عن بعضِها البعض في المبنى اختلافاً يخالُه البعضُ من موجباتِ الزعمِ بأنَّ المعنى الذي تنطوي عليهِ كلٌّ منها لا يمكنُ أن يكونَ هو ذاتُ المعنى. ولقد نجمَ عن هذا الوهم ما جعلَ البعضَ منا يحيدُ عن السبيلِ المُفضي إلى تدبُّرِ القرآنِ كما أمرَنا اللهُ تعالى! فالأمرُ هو ليس ما نخالُه وما نحسبُه ولكنه ما بيَّنَه اللهُ تعالى للناسِ في قرآنِه العظيم تبياناً نحنُ مُلزَمون بأن نأخذَ به فنلزَمَه ولا نحيدَ عنه. فاللهُ أعلمُ لمَ يورِدُ كلمتَين قرآنيتَين متباينتَين في المبنى وإن كانتا تحملان ذات المعنى.
ومن ذلك ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى في الآيتَين الكريمتَين:
1- (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (29 البقرة).
2- (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) (11- من 12 فُصِّلَت).
فالعبارةُ القرآنية “فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ” تحملُ ذاتَ المعنى الذي تنطوي عليه العبارةُ القرآنية “فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ”. وكلُّ زعمٍ بأن هنالك تبايناً في المعنى بين هاتين العبارتَين القرآنيتَين الجليلتَين ما هو إلا تحكيمٌ لمنطقِ عقلِنا البشري في كلامِ اللهِ تعالى الذي لن نقدرَه حقَّ قدرِه إلا من بعدِ أن نُقِرَّ بأنَّ منطقَه الإلهي ليس له بالضرورة أن يتطابقَ ويتماهى مع منطقِ عقلِنا البشري.
