في معنى قَولِهِ تعالى “قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ”

كان سيدُنا موسى يواظبُ على سؤالِ اللهِ تعالى أن يهديَه سواءَ السبيل، ومن ذلك دعاؤه وهو يشرعُ بالخروجِ من مصر: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين. وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) (21- 22 القصص).
ولقد استجابَ اللهُ تعالى لسيدِنا موسى فهداهُ سبيلَ ماءِ مَدين حيث قدَّرَ له أن يلتقِيَ ابنتَي عبدٍ من عبادِه الصالحين كان هو السببَ من وراءِ اضطرارِ سيدِنا موسى لأن يلبثَ في مدينَ من عُمُرِه سنينَ قادَه قدرُ اللهِ بعدَها إلى النارِ التي باركَ اللهُ تعالى مَن فيها ومَن حولَها حيث تأتى له عليه السلام أن يُصبِحَ كليمَ اللهِ تعالى وأن يشهدَ بأمِّ عينَيه آيتَين من آياتِ اللهِ الكبرى: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (29- 30 القصَص).
وبعد انقضاءِ سنينَ لا يعلمُ عددَها إلا اللهُ استشعرَ سيدُنا موسى في نفسِه حاجةً إلى معلمٍ يتعلَّمُ منه مما علَّمَه اللهُ ما يقرِّبه إلى اللهِ أكثر. فكان أن سألَ اللهَ تعالى أن يهديَه السبيلَ إلى ذلك “المعلم الرباني”. فأجابَه اللهُ تعالى إلى ما أراد وحدَّدَ له الكيفيةَ التي يهتدي بها إليه. ولقد فصَّلت لنا سورةُ الكهف معالمَ ذلك السبيل، وذلك في قولِه تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا(60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا(61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا(62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا(63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا(64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا).
فسيدُنا موسى كان يعلمُ من اللهِ تعالى ما يكفلُ له أن يهتديَ إلى سبيلِ ذلك المعلم الرباني الذي أنبأه اللهُ تعالى بأنَّه لن يكونَ بعيداً عن المكانِ الذي سيفارقُه فيه الحوتُ (السمكة الكبيرة) الذي كان قد ادخَّره وفتاهُ لغدائهما. ولذلك قالَ سيدُنا موسى لِفتاه عندما أخبره بما حدثَ له مع الحوت: “ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ”.

أضف تعليق