
نقرأُ في سورةِ التكوير، وفي الآية ِالكريمة 5 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ).
يُعينُنا على تدبُّرِ هذه الآيةِ الكريمة أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الآيةَ الكريمة 38 من سورةِ الأنعام: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ). فاللهُ تعالى لن يُعجِزَه أن يحشرَ يومَ القيامة كلَّ ما كان يسكنُ الأرضَ من دابة. ويستوي في ذلك دوابُّ الأرضِ كلُّها جميعاً بما في ذلك تلك التي كانت تسودُ الأرضَ قبلَ مئاتِ الملايين من السنين. فاللهُ تعالى إذ سمَّى الدوابَّ بالوحوش في الآيةِ الكريمة 5 من سورةِ التكوير أعلاه، فإنَّه بذلك إنما يذكرُها بأعظمِها جسماً. فإذا كان اللهُ تعالى قادراً على أن يحشرَ يومَ القيامة من دوابِ الأرضِ مَن كان قد زادَه في الجسمِ بسطةً حتى صارَ يكادُ يبلغُ الجبالَ طولاً إلا قليلاً، كالديناصورات مثلاً، فهو قادرٌ بالتالي على أن يحشرَ من صغيرِ الدوابِ ما كان بحجمِ دابةِ الأرضِ أو أصغرَ منها.
والآن، إذا كان اللهُ تعالى سيحشرُ الناسَ يومَ القيامة ليفصلَ بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، فلماذا يحشرُ الحيوانَ أيضاً وقد علِمنا أنَّ الإنسَ والجنَّ وحدَهم هُم مَن سيحاسبُهم اللهُ تعالى على أعمالِهم في دنياهم؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى سيبدِّلُ السمواتِ والأرضَ يومَ القيامة بسمواتٍ أخرى وبأرضٍ أخرى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) (من 48 إبراهيم). فالجنةُ يومَ القيامة عرضُها كعرضِ السمواتِ والأرض:
1- (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (21 الحديد).
2- (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (133 آل عِمران).
وجنةٌ هكذا عرضُها كيف لها أن تُقصَرَ على مَن شاءَ لهم اللهُ تعالى أن يُخلَّدوا فيها من الجنِّ والإنس؟! فلحيوانِ الأرضين السبع مكانٌ في جناتِ الخلدِ كما لصالحي الجنِّ والإنس.
