
نقرأُ في سورةِ المؤمنون، وفي الآياتِ الكريمةِ 12- 14 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).
تتحدثُ هذه الآياتُ الكريمة عن “تدرُّجٍ” في خلقِ اللهِ تعالى لأبينا آدم منذ أن بدأَ خلقَه له من طين: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) (7- من 9 السجدة).
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ ما تقدَّم من آياتٍ كريمة، أنَّ إنشاءَ اللهِ تعالى لأبينا آدم “خَلقاً آخر” كان بأن “سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ”. فآدمُ قبل أن يُنشأه اللهُ تعالى خلقاً آخر، فيسويَه وينفخَ فيه من روحِه، كان “خلقاً آخر” غيرَ ما أصبحَ عليه من “خلقٍ آخر” بنفخِ اللهِ تعالى فيه من روحِه. فاللهُ تعالى نفخَ في آدمَ من روحِه، وذلك بأن قالَ له “كُن فيكون”، فأصبح آدمُ بذلك “خَلقاً آخر” ما كان ليُصبحَه لولا تلك النفخةُ (نفخةُ “كُن فيكون”).
وهذا الذي حدثَ لأبينا آدم، من صيرورةٍ إلى “خَلقٍ آخر”، لَيذكِّرُنا بالكيفيةِ التي تأتَّى لسيدِنا عيسى أن يولَدَ بها من غيرِ أب. فالأمرُ لم يقتضِ غيرَ أن ينفخَ اللهُ تعالى في السيدةِ مريم من روحِه بقولِه لها “كُن فيكون”. فالسيدةُ مريم قبلَ أن ينفخَ اللهُ تعالى فيها من روحِه، بقولِه لها “كن فيكون”، لم تكن غيرَ فتاةٍ من المستحيلِ أن يكونَ لها ولدٌ طالما لم يمسسها بشر. فما أن نفخَ اللهُ تعالى فيها من روحِه بقولِه لها “كن فيكون” حتى أصبحت تلك الفتاةُ أُماً دون أن يمسسها بشر.
فاللهُ تعالى قالَ لجسمِ آدم “كُن آدماً”، فكان. واللهُ تعالى قالَ للسيدةِ مريم، وهي بعدُ فتاة، “كوني أُماً”، فكانت. وهذا هو ما بإمكانِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (59 آل عمران).
