هل مِنا مَن هو مِن ذريةِ سيدِنا نوح؟

لبثَ سيدُنا نوحٌ في قومِه مدةً من الزمانِ أنبأنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بأنَّها ألفٌ إلا خمسون عاماً: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ. فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) (14- 15 العنكبوت).
ولقد نجَّى اللهُ تعالى بعضاً من أهلِ سيدِنا نوح، وذلك في الفُلكِ التي أمرَه بصُنعِها: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) (40 هود). والذين سبقَ عليهم قولُ اللهِ تعالى من أهلِ سيدِنا نوح هم امرأتُه وابنُه الذي كان حينها ابنُه الوحيد:
1- (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) (10 التحريم).
2- (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ. قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (45- 46 هود).
وبرهانُ كونِ ابنِ سيدِنا نوح، الذي أهلكَه اللهُ تعالى مع الذين أهلكَهم من قومِه، هو ابنَه الوحيد حينَها، هو ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة:
1- (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي ‎وَكِيلًا. ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) (2- 3 الإسراء).
2- (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) (58 مريم).
فتدبُّرُ هذه الآياتِ الكريمة يبيِّنُ لنا أنَّ سيدَنا نوحاً لم يكن معه في الفُلكِ أيٌّ من أبنائه. ولكن، هل يلزمُ عن هذه الحقيقةِ القرآنية وجوبُ أن نسارعَ إلى الزعمِ بأنَّ سيدَنا نوحاً لم تكن له أيُّ ذرية بعدها؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذا السؤال أن نتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (26 الحديد). فاللهُ تعالى مَنَّ على سيدِنا نوح، ومن بعدِ أن نجاهُ من القومِ الظالمين، فجعلَ له ذريةً وقد تجاوزَ الألفَ عاماً! وما ذلك على اللهِ بعزيز وهو الذي آتى سيدَنا إبراهيم وسيدَنا زكريا من بعدُ ذريةً، وذلك بعد أن بلغا من الكِبَرِ عِتياً. فاللهُ تعالى قد باركَ على سيدِنا نوحٍ، وذلك بقولِه: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ) (من 48 هود). ومن تجلياتِ بركاتِ اللهِ تعالى على سيدِنا نوح أنَّه أنزلَه مُنزَلاً مباركاً: (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) (29 المؤمنون)، وجعلَ من ذريَّتَه أئمةً مبارَكين: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) (من 26 الحديد).

أضف تعليق