
نقرأُ في سورةِ البقرة، وفي الآيتَين الكريمتَين 38- 39 منها، قولَ اللهِ تعالى: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). فلماذا أمرَ اللهُ تعالى بَني آدمَ بأن يتبعوا هداه؟
يُعينُنا على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي ما كنا لنحيطَ بها لولا ما كشفَه لنا القرآنُ العظيم بشأنِ ماضينا التطوري. فالأرضُ قبلَ أن يجعلَ اللهُ تعالى أبانا آدمَ فيها “خليفة”، كانت مسرحاً للفسادِ وسفكِ الدماء. فلما أن نفخَ اللهُ تعالى في أبينا آدمَ من روحه، فصيَّرته تلك النفخةُ الإلهية (نفخةُ “كن فيكون”) خَلقاً آخرَ (إنساناً في أحسنِ تقويم)، اقتضى الأمرُ وجوبَ أن يُصارَ إلى إهلاكِ “مَن كان يُفسِدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماء”. ولذلك أمرَ اللهُ تعالى الملائكةَ الكرام بأن يُنزِلوا بساحةِ “من كان يُفسِدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماء” شديدَ عذابِه. ولقد استثنى اللهُ تعالى من ذلك العذاب أبانا آدم الذي جعلَه في الأرضِ خليفةً من بعدِ فناءِ “من كان يُفسِدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماء”: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (30 البقرة).
فاستذكارُ وتدبُّرُ هذه الحقيقةِ كفيلٌ بأن يُعينَنا على تبيُّنِ العلةِ من وراءِ أمرِ اللهِ تعالى لبني آدم بأن يتَّبعوا هداه، وذلك حتى لا ينتهيَ بهم الأمرُ إلى العودةِ إلى ما كانت عليه تلك المخلوقاتُ التي كانت تُفسِدُ في الأرضِ وتسفكُ الدماء.
