
كشفَ لنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم عن الوجهِ الحقيقي للإنسان؛ هذا الوجهُ الذي يحرصُ الإنسانُ الحرصَ كلَّه على أن يُبقيَه مستتراً غيرَ بادٍ للعِيان إلا إذا ما اضطرَّه إلى الإفصاحِ عنه موقفٌ من تلك المواقفِ التي يعجزُ فيها عن التحكُّمِ بما جُبِلَ عليه من مسارعةٍ إلى الغضبِ وتحكيمٍ لسوءِ الظن وتغليبٍ للنفسِ واحتكامٍ إلى الهوى. فالإنسانُ، وكما بيَّنته لنا وفصَّلته آياتُ القرآن، ظلومٌ جهول، يئوسٌ قنوط، كَفورٌ قَتور، عَجولٌ كَنود، فرِحٌ فَخور، هَلوعٌ جَزوعٌ مَنوع. ولقد تعيَّنَ على الإنسانِ أن تكونَ هذه هي صفاتُه أما وقد رُدَّ أسفلَ سافلين من بعدِما خُلِقَ في أحسنِ تقويم.
غيرَ أنَّ هذا لا تلزمُ عنه استحالةُ أن يكونَ بمقدورِ الإنسانِ أن يسموَ ويرقى فوقَ جِبلتِه وألا يبقى أسيرَ ضوابطِها ومحدِّداتِها. فاللهُ تعالى أمرَ بَني آدمَ بأن يتَّبعوا هُداه وكفلَ لهم بذلك أن يصبحَ بمقدورِهم أن يعودوا إلى ما كانَ عليهِ الإنسانُ يومَ خلقَه اللهُ تعالى في أحسنِ تقويم أولَ مرةٍ: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ(1) وَطُورِ سِينِينَ(2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ(3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ(5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ(6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ(7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8) (سورةِ التين)).
