
تتعدَّدُ الأسبابُ التي يشقى الإنسانُ جرَّاها وهو لا يعلمُ أنَّ عِلةَ هذه الأسبابِ واحدة. فالإنسانُ، في حقيقةِ الأمر، لا يشقى لهذا السببِ أو ذاكَ من الأسبابِ الموصولةِ بهذه الحياةِ الدنيا، وذلك طالما كانت العلةُ من وراءِ شقائِه تكمنُ في نسيانِه لحقيقةِ كونِه لم يُخلَق لهذه الحياةِ الدنيا! وكلَّما ابتعدَ الإنسانُ عن ذِكرِ الآخرةِ، والاستعدادِ لها، صُبَّ عليه من عذابِ الدنيا ما ليس باليسيرِ إحصاءُ ألوانِه وأشكالِه. فلو أنَّ الإنسانَ أرادَ الآخرةَ لكفلَ له مُرادُه هذا أن يحيا الحياةَ الدنيا بمنأى عن أن يُشقِيَه شيءٌ من أسبابِها. فالشقاءُ ما كُتِبَ على الإنسانِ إلا بخروجِه من الجنةِ التي أسكنَ اللهُ تعالى أبوَيه فيها: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) (117 طه).
فاللهُ تعالى لم يخلق الإنسانَ لهذه الحياةِ الدنيا إلا ليبتليَه حتى يتبيَّنَ بنفسِه يومَ القيامةِ ما كان عليه من ضلالٍ مُبينٍ في حياتِه الدنيا، هذا إن كان هو من أصحابِ الجحيم. وأما إن كان من أصحابِ الجنة، فلقد جعلَ اللهُ تعالى في ابتلائِه لهم في هذه الحياةِ الدنيا ما سوف تتبيَّنُ لهم يومَ القيامةِ العلةُ من ورائه وكيف أنَّه كان هو ما كفلَ لهم أن يُزحزَحوا عن النارِ ويُدخَلوا الجنة. فاللهُ إذ خلقَ الإنسانَ للآخرةِ ولم يخلقه لهذه الحياةِ الدنيا، فما ذلك إلا لأنه تعالى يريدُ الآخرةَ ولا يريدُ الدنيا: (وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) (من 67 الأنفال).
