نحوَ تفسيرٍ مَوسوعيٍّ جَماعي للقرآنِ العظيم

وفقاً للبعض، فإنَّه لا يحقُّ لأحدٍ أن يتدبَّرَ القرآنَ العظيم تدبُّراً يُفضي بهِ إلى تفسيرٍ يُضافُ إلى ما بين أيدينا من كتبِ التفسير، وذلك بحجةٍ مفادُها أن ليس بإمكانِ الخلَف أن يأتوا بما لم يأتِ به السلَف، وأنَّ في هذا ما فيهِ من خروجٍ على ما أجمعَ عليهِ الآباءُ الأولون من إدانةٍ لأيِّ محاولةٍ يسعى القائمُ بها إلى أن يأتيَ بجديد! وينسى هذا البعضُ أن ليس في القرآنِ، ولا في حديثِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، ما ينهى عن تدبُّرِ آياتِ القرآن!
فمِن أينَ جاءَ هذا البعضُ إذاً بما يُجرِّمُ تدبُّرَ القرآنِ سعياً للوصولِ إلى فهمٍ لآياتِه الكريمة يجعلُنا أكثرَ قرباً إلى المعنى الذي تنطوي عليه؟! ناهيكَ عن أنَّ هذا البعضَ، وفي غمرةِ تقديسِه لغيرِ كتابِ الله وحديثِ رسولِ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، قد فاتَه أنَّ اللهَ تعالى هو مَن أمرَ عبادَه الذين آمنوا بأن يتدبَّروا آياتِ قرآنِه! فأيُّ ضررٍ سينجمُ عن تدبُّرِ القرآنِ وبما يجعلُنا نستخرجُ من كنوزِه ما أشارَ إليهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بقولِه عن القرآنِ إنَّه “كتابٌ لا تنقضي عجائبُه”؟!
وهل نسيَ هؤلاءِ الذين يُصِرُّون على تجريمِ تدبُّرِ القرآنِ، بعيداً عما وصلَ إلينا من نتاجِ تدبُّرِ السلف، أنَّ من المعاصرين مَن تدبَّر القرآنَ فخرج على الناسِ بـ “جديدٍ” جذبَ إليهِ أفئدةَ الملايين؟! وما تفسيرُ الشيخ محمد الشعراوي وتفسيرُ الدكتور مصطفى محمود منا ببعيد!
إنَّ التفسيرَ الذي أدعو إليه لا يمكنُ له أن يغفلَ عما يتمايزُ به عصرُنا هذا عن عصرِ السلَف من ثورةٍ معلوماتيةٍ-معرفية لا يمكنُ معها أن يُصارَ إلى قصرِ تدبُّرِ القرآن، بغيةَ الانتهاءِ إلى تفسيرٍ معاصرٍ له، على فردٍ واحدٍ أو حتى مجموعةٍ قليلةٍ من الأفراد. فتدبُّرُ القرآنِ في هذا الزمان عملٌ موسوعيٌّ جماعي لا يمكنُ أن يضطلعَ به فردٌ واحدٌ كما كان عليه الحالُ في زمانِ السلف!
فلابد لنا، إن نحن أردنا أن نفسِّرَ القرآنَ العظيم تفسيراً معاصراً، من أن نجنِّدَ لهكذا مهمةٍ جليلة المئاتِ، إن لم يكن الآلافَ، من الباحثين والعلماءِ والمفكرين من مختلفِ المشاربِ والعلومِ والمعارفِ الدقيقة. فالاضطلاعُ بهكذا أمرٍ جلَل إذاً هو عملٌ موسوعي جَماعي بكلِّ ما تعنيه الكلمة وبكلِّ ما يقتضيه الأمرُ من ترفُّعٍ عن الأنا وعن تلك الرغبةِ غيرِ السَّوية في أن يحملَ التفسيرُ إسمَ هذا أو ذاكَ من الناس! فلقد مضى ذاك الزمانُ الذي كان يُشارُ فيه إلى هذا التفسيرِ أو ذاك بأنَّه “تفسيرُ الرازي” أو “تفسيرُ القرطبي”! فتفسيرُ القرآنِ العظيم في هذا الزمان هو جهدٌ مشتركٌ يتكفَّلُ بأدائِه جمهورٌ غفيرٌ من الباحثين لا يمكنُ، ولا ينبغي، أن تُذكرَ أسماؤهم كلُّها جميعاً! فما ينفعُ الناسَ هو ما ينبغي أن يمكثَ في الأرض.

أضف تعليق