
نقرأُ في سورةِ الجاثية، وفي الآيةِ الكريمة 21 منها، قولَ اللهِ تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُون).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذه الآيةِ الكريمة، أنَّ حياةَ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ في هذه الدنيا هي ليست كحياةِ الذين اجترحوا السيئات. فكيف تتمايزُ إذاً هاتين الحياتَين عن بعضهما البعض إن لم يكن بما فضَّلَ اللهُ تعالى به الذين آمنوا وعملوا الصالحات على الذين اجترحوا السيئاتِ في هذه الحياةِ الدنيا؟!
فلقد عرَّفَ اللهُ تعالى حياةَ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ بقولِه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (97 النحل). فهذه “الحياةُ الطيبة” هي محلٌّ لتجلِّي آثارِ رحمةِ الله بعبادهِ الذين اتقوه حقَّ تُقاتِه. وتجلِّي آثارِ رحمةِ الله بعبادهِ الذين آمنوا وعملوا الصالحات هو ما اصطُلِحَ على الإشارةِ إليه بـ “الكرامات”. ومن هذه الكرامات ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (من 37 آل عمران).
