
نقرأُ في سورةِ الأنعام، وفي الآيةِ الكريمة 2 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُون). فما هما هذان الأجلان اللذان يشيرُ إليهما قَولُ اللهِ تعالى هذا؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى لم يخلق الإنسانَ خلقاً لحَظياً بلمحِ البصر، وأنَّ مبتدأَ خلقِ الإنسانِ كان من طين: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) (7 السجدة). فما بين مبتدأِ خلقِ الإنسانِ من طين وبين تخلُّقِه خلقاً من بعدِ خلق حتى انتهى به الأمرُ إلى أن ينفخَ اللهُ تعالى فيه من روحِه، وذلك من بعدِ أن سواهُ وقوَّمَه إنساناً في أحسنِ تقويم، أجَلٌ من الزمانِ لا يعلمُ أمدَه أحدٌ إلا اللهُ تعالى. وهذا هو الأجلُ الذي قضاهُ اللهُ تعالى فتحتَّمَ على آدمَ أن يقضيَه سنينَ على هذه الأرض، وذلك قبل أن يـأذنَ له اللهُ تعالى بأن يقضيَ “أجلاً مسمىً” عنده في جنةِ المأوى. فاللهُ تعالى قضى على آدمَ أن يُدخَلَ تلك الجنةَ التي تحتَّمَ عليه وجوبُ أن يغادرَها فيعودَ منها إلى الأرضِ تارةً أخرى، وذلك من بعدِما صيَّره الأكلُ من الشجرةِ التي نهاهُ اللهُ عنها غيرَ أهلٍ لأن يبقى في تلك الجنة. والمدةُ من الزمانِ التي تعيَّنَ على آدمَ وزوجِه أن يقضياها في تلك الجنة، محددةٌ بأجلٍ قدَّرَه اللهُ تعالى وسمَّاه إذ حدَّد مدته بـ “زمانٍ مسمى” ما كان لآدمَ وزوجِه أن يستقدمَا عنه أو يستأخرا أبداً.
