في معنى قَولِ اللهِ تعالى “إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ”

ما كان اللهُ تعالى ليُساويَ بينَ الناسِ فيجعلَ حياةَ الذين اتَّقوه حقَّ تُقاتِه كحياةِ مَن آثروا الإعراضَ عن هَديِه: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (35- 36 القلم)، (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) (28 ص)، (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (21 الجاثية).
فحياةُ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ ليست كمثلِها حياة، وذلك لأنَّها محلُّ تجلِّي عظيمِ فضلِ اللهِ تعالى عليهم فرجاً ونصراً وفتحاً وعجائبَ وغرائبَ وخوارقَ عادات، وهي كلُّها من آثارِ رحمةِ اللهِ تعالى بِمَن آثرَ أن يتَّبعَ هَديَ الله ويُعرِضَ عن اتبَّاعِ نفسِه وإطاعةِ هواه. ومن هذه التجلياتِ المباركة نصرُ اللهِ تعالى للعبدِ الذي هذا هو حالُه معه حملاً لنفسِه على ما تكره واضطراراً لِهواه إلى ما لا يهواه. فنصرُ اللهِ تعالى لأوليائه على أعدائِهم متحقِّقٌ حتى وإن لم يكن هناك من عدوِّهم من يرونَه رأيَ العين. ونصرُ اللهِ تعالى لأوليائه عامٌّ في هذه الحياةِ الدنيا وفي الآخرة. ويُخطِئُ كلُّ مَن لم يقدِر هذا النصرَ حقَّ قدرِه فيتوهمُ أن ليس له من تجلياتٍ لأولياءِ الله في هذه الحياةِ الدنيا. فقصرُ نصرِ اللهِ لأوليائه على الآخرةِ يتعارضُ مع قولِ اللهِ تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (51 غافر).

أضف تعليق