
نقرأُ في سورةِ النازعات، وفي الآياتِ الكريمةِ 27- 30 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا. وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة، أنَّ الأرضَ لم تكن أولَ ما خلقَ اللهُ تعالى وإنما السماء. وقد يتوهَّمُ البعضُ أنَّ هذا يتعارضُ مع قَولِ اللهِ تعالى في الآيةِ الكريمة 29 من سورةِ البقرة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، وأنَّ “الأرضَ لابد وأن تكونَ قد خُلِقت قبل السماء”، وذلك كما يتوهَّمُ هذا البعضُ إذ لا يُحسِنُ تدبُّرَ قولَ اللهِ تعالى في الآياتِ الكريمة 9- 12 من سورةِ فُصِلت: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ).
ويُبدِّدُ هذا الوهمَ ويُفنِّدُه أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى يُنبئُنا في الكثيرِ من آياتِ قرآنِه العظيم بأنَّه خلقَ السمواتِ ثم خلقَ الأرضَ من بعدِها، وذلك كما يتبيَّنُ لنا باستذكارِ وتدبُّرِ العبارةِ الجليلة “خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ”. فاللهُ تعالى خلقَ السمواتِ ثم خلقَ الأرضَ ثم خلقَ من بعدِ ذلك سبعَ سمواتٍ لسبعِ أرضين أرضُنا هذه واحدةٌ منهن. فخلقُ اللهِ تعالى للسمواتِ والأرض متقدِّم على خلقِه سمواتٍ سبعٍ لأرضينَ سبع. فلقد خلقَ اللهُ تعالى السمواتِ والأرضَ قبل أن يخلقَ سبعَ سمواتٍ لأرضينَ سبع. وتفصلُ بين هذين “الخَلقَين” من الزمان حُقَبٌ لا يعلمُ مقدارَها إلا اللهُ تعالى. فاللهُ تعالى خلقَ أُولى السمواتِ السبع (وهي سماءُ أرضِنا هذه) ثم خلقَ ستَّ سمواتٍ أُخَر لأرضين ستٍّ أخرى، فاكتملَ الخلقُ سبعَ سمواتٍ لسبعِ أرضين.
