
وُلِدَ آدمُ لأبوَين غيرِ بشريِّيَن بين ظهراني قومٍ وصفَهم اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بأنَّهم كانوا “يُفسدونَ في الأرضِ ويسفكونَ الدماء”. وعلى الرغم من هذا الذي كان عليه قومُ آدمَ من طغيانٍ في الأرضِ بغيرِ الحق، إلا أنَّهم كانوا، وعلى مدى زمانٍ لا يعلمُ أمدَه إلا اللهُ تعالى، قد طوَّروا “نظاماً لغوياً” استعانوا به على التواصلِ فيما بينهم بغيةَ إحكامِ سيطرتِهم على الأرضِ التي تأتَّى لهم أن يسودوا فيها. وبذلك فلقد تسنَّى لآدمَ أن يتعلَّمَ من أبوَيه والمقربين منه لغةَ قومِه فأتقنها وتمكَّنَ منها وهو بعدُ طفلٌ صغير.
ولما كان آدمُ قد أنشأهُ اللهُ “خَلقاً آخرَ” بنفخِه فيه من روحِه مستهلَّ رحلةِ تخلُّقِه في بطنِ أمِّه، وذلك إعداداً له وتوطأةً حتى يخلفَ قومَه من بعدِ أن يُهلِكَهم اللهُ بأيدي ملائكتِه الذين أمرهم بأن يُنزِلوا بساحتِهم عذابَه، فإنَّ استخلافَ اللهِ لآدمَ قد تجلَّى عليهِ وبما جعلَ منه أهلاً لأن يكونَ في الأرضِ خليفةً من بعدِ أن زوَّدَه اللهُ بكلِّ ما يُيسِّرُ له أن “يتعلَّمَ” من اللهِ من “لطيفِ العِلمِ” ما اختصَّهُ اللهُ به فلم يجعل لأيِّ مخلوقٍ سواه حظاً مما علَّمه إياه.
فسبحانَ الذي جعلَ الأصلَ الذي انبثقت عنه اللغةُ التي نتحدَّثُ بها اليوم موصولاً بأسلافِنا الذين لن يكونَ بمقدورِنا أن نتبيَّنَ شيئاً مما كانوا عليه قبل أن يُصيبَهم ما أصابهم فجعلَ منهم ما أصبحوا عليه من طغيانٍ في الأرضِ بغيرِ الحق، إلا بأن ندرسَ ما توارى بين ثنايا تلك اللغةِ من شواهدِ ذلك الزمانِ السحيقِ الموغلِ في القِدم!
