
نقرأُ في سورةِ الحِجر، وفي الآيةِ الكريمة 19 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُون).
تذكِّرُنا هذه الآيةُ الكريمة بالآيةِ الكريمةِ 7 من سورةِ الرحمن: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَان). فاللهُ تعالى خلقَ السمواتِ والأرضَ، بما فيهما من نباتٍ وحيوان، خَلقاً “موزوناً” بميزانٍ من قوانينِه التي بثَّها فيهما. ولقد أبت السمواتُ والأرضُ والجبالُ أن تحيدَ عن الالتزامِ بهذا الميزانِ الإلهي، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ قَولِ اللهِ تعالى في الآيةِ الكريمة 72 من سورةِ الأحزاب (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). فهل الإنسانُ كائنٌ موزونٌ بميزانِ قوانينِ اللهِ تعالى؟
يُعينُ على الإجابةِ بالنفي على هذا السؤال أن نستذكرَ ما بيَّنَه لنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بشأنِ الإنسان: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى) (6 العلق). فالإنسانُ، وبهذا الطغيانِ الذي جُبِلَ عليه، لا يملكُ إلا أن يكونَ غيرَ موافقٍ لقوانينِ اللهِ تعالى. ولذلك فلقد أرسلَ اللهُ تعالى إليه رُسُلَه ليبيِّنوا له صراطَه المستقيم الذي مَن اتَّبعه اهتدى ومَن ضلَّ عنه غوى.
ولكن ما الذي جعلَ الإنسانَ كائناً “غيرَ موزون”؟ يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ قولَ اللهِ تعالى في الآيتَين الكريمتَين 38- 39 البقرة: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). فأكلُ أبوَينا، آدمَ وزوجِه، من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ تعالى عنها هو الذي جعلَ الإنسانَ يفقدُ القدرةَ على التوافقِ مع قوانينِ الله، وهو الذي جعلَه عاجزاً بالتالي عن أن يكونَ كائناً “موزوناً” لا يحيدُ عن ميزانِ قوانينِ الله؛ الأمرُ الذي اقتضى منه وجوبَ أن يلتجئَ إلى اللهِ تعالى ليأخذَ بيدِه إلى برِّ الأمان وليصبحَ بعدها كائناً “موزوناً” بميزانِ قوانينِ الله.
