
نقرأُ في سورةِ التحريم، وفي الآيةِ الكريمة 10 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ). فما هو معنى “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا” في هذه الآيةِ الكريمة؟
يُعينُ تدبُّرُ مَن ذكرتهما هذه الآيةُ الكريمة على تبيُّنِ هذا المعنى. فالذين كفروا باللهِ تعالى لا يختلفُ حالُ بعضِهم مع اللهِ تعالى عن حالِ بعض، فـ “ملةُ الكفرِ واحدة”. ومَن يريدُ أن يتبيَّنَ حالَ الذين كفروا مع اللهِ تعالى فما عليه إلا أن يستذكرَ ما بيَّنه لنا قرآنُ اللهِ العظيم بشأنِ امرأةِ سيدِنا نوح وامرأةِ سيدِنا لوط. فكلتا الإمرأتين خانت زوجَها وذلك بخيانتِها اللهَ تعالى كفراً بآياتِه وتعدِّياً لحدودِه وفسوقاً عن أمرِه.
كما ونقرأُ في سورةِ التحريم أيضاً، وفي الآيتَين الكريمتَين 11- 12 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ). فما هو معنى “وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا” في قولِ اللهِ تعالى هذا؟
فما على الذي يريدُ أن يتبيَّنَ حالَ الذين آمنوا مع اللهِ تعالى إلا أن يستذكرَ ما بيَّنه لنا قرآنُ اللهِ العظيم بشأنِ امرأةِ فرعون ومريمَ ابنةَ عِمران. فامرأةُ فرعون آثرت اتِّباعَ هَدي الله على الإذعانِ لما كان يأمرُها به زوجُها الطاغية الذي أرادها أن تتخذَه إلهاً من دونِ اللهِ تعالى، فأبت إلا أن تؤمنَ باللهِ الواحدِ الأحد وهي تعلمُ عِلمَ اليقين ما سيؤولُ إليه أمرُها على يدِ ذلك الطاغية عذاباً شديداً وفتنةً وتقتيلا. ولم يكن حالُ السيدةِ مريم مع اللهِ ليتمايزَ كثيراً عن حالِ امرأةِ فرعون مع اللهِ الذي صدَّقت بما بين يدَيها من كتبِه توراةً وإنجيلاً تصديقاً أصبحت بمقتضاه من عبادِه القانتين الذين لا يصرفُهم عن قنوتِهم للهِ تعالى شيءٌ من زخرفِ هذه الدنيا وزينتِها وبهرجِها.
فمن أرادَ ألا يكونَ من الذين كفروا فعليه ألا يخونَ اللهَ كما خانته كلٌّ من امرأةِ سيدِنا نوح وامرأةِ سيدِنا لوط. ومن أرادَ أن يكونَ من الذين آمنوا فليس هناك من سبيلٍ أمامه غيرَ أن يقتدي بما كانت عليه كلٌّ من امرأةِ فرعون والسيدةِ مريم من تبتُّلٍ إلى اللهِ تعالى جعلهما بمنأى عن أن تشوبَ إيمانَهما به شائبةٌ من نزغِ النفسِ وتزيينِ الهوى.
