
نقرأُ في سورةِ الأنبياء، وفي الآيةِ الكريمة 35 منها، قولَ اللهِ تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون). فلماذا قدَّمَ اللهُ تعالى ذِكرَ “الشرِّ” على “الخير” في هذه الآيةِ الكريمة؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى في الآيةِ الكريمة 49 فُصِّلت: (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ). فاللهُ تعالى ما كان لِيذرَ الإنسانَ يواظبُ على الفرارِ منه دونَ أن يتناوشَه بالابتلاءِ والفِتنة لعلَّه يرجعُ إليه: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا. إِلَّا الْمُصَلِّين) (19- 22 المعارج).
فالشرُّ أداةٌ بيدِ اللهِ تعالى يُسلِّطُها على مَن يشاءُ من عِبادِه أنَّى يشاء: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) (94 الأعراف). وكم من شرٍّ هو في حقيقتِه خيرٌ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (من 216 البقرة)، (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (من 19 النساء).
إذاً فعِلةُ تقديمِ الشرِّ على الخير في قولِه تعالى “وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً” تعودُ إلى ما جُبِلَ عليه الإنسانُ من إيثارٍ لما يظنُّ أنَّه خير على ما يظنُّ أنه شر: (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا) (11 الإسراء)، (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) (من 11 يونس).
فاللهُ تعالى يبتلي الإنسانَ إذاً بالشرِّ بأكثرَ مما يبتليهِ بالخير، وذلك في تمامِ التوافقِ مع ما جُبِلَ عليه الإنسانُ من توجُّسٍ من الشرِّ ورغبةٍ في الخير، وهو لا يعلمُ أيَّهما هو في حقيقةِ الأمر خيرٌ له.
