في معنى “يُدبِّرُ الأمر” في قولِه تعالى “يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ. ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ”

نقرأُ في سورةِ السجدة، وفي الآيتَين الكريمتَين 5- 6 منها، قولَ اللهِ تعالى: “يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ. ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ”. فما هو معنى “يدبِّرُ الأمر” في قولِ اللهِ تعالى هذا؟
تشيرُ هاتان الآيتانِ الكريمتان إلى سيدِنا جبريل، وذلك بدلالةٍ مما كلَّفه اللهُ تعالى به من مهمةٍ جليلةٍ كفَّله إياها، وذلك بأن جعلَه ينزلُ بقرآنِه العظيم على قلبِ رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بإذنِه: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (192- 195 الشعراء).
فسيدُنا جبريل هنا هو مَن “يدبِّرُ الأمر”، أي هو مَن ينزلُ بالقرآنِ على قلبِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم تنفيذاً لأمرِ اللهِ تعالى له. فكلمةُ “الأمر” هنا تعني “القرآن”. ولقد وردت كلمةُ “الأمر” في القرآنِ العظيم بهذا المعنى في مواطنَ منه كثيرة، منها: (ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ) (من 5 الطلاق)، (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) (12 الطلاق).
ويتوهَّمَ البعضُ أن الآيةَ الكريمة 6 من سورةِ السجدة أعلاه (ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) تؤيدُ ما ذهبوا إليه من أنَّ سيدَنا جبريل ليس هو المقصودَ بتدبير الأمرِ هنا. ولو أنَّهم تدبَّروا الآيتَين الكريمتَين 5- 6 السجدة أعلاه، وفقاً لمقتضياتِ السياقِ القرآني، لتبيَّنَ لهم أنَّ الآيةَ الكريمة 6 من سورةِ السجدة تفصِّلُ المقطعَ الأخيرَ من الآيةِ الكريمة التي تسبقها. فسيدُنا جبريل، ومن بعد أن يدبِّرَ الأمرَ بنزولِه بالقرآن على قلبِ رسولِ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، يعرجُ إلى اللهِ الذي عرَّفته الآيةُ الكريمة 6 السجدة بأنَّه “عالِمُ الغيبِ والشهادة”. فسيدُنا جبريل يعرجُ إلى اللهِ عالِمِ الغيبِ والشهادة، وذلك من بعد أن يُدبِّرَ الأمرَ أي من بعدِ أن ينزلَ بالقرآنِ على قلب سيدِنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم.

أضف تعليق