الإنسان… كائنٌ غيرُ مثالي في عالَمٍ مثالي!

خلقَ اللهُ تعالى السمواتِ والأرضَ، بكلِّ ما فيها من أجرامٍ ونباتٍ وحيوان، خَلقاً ليس بالإمكانِ أن نَصِفَه فنوفيَه حقَّه من التقديرِ ومستحقَّه إلا بأن نقولَ فيه ما قالَه فيه قرآنُ اللَهِ العظيم: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) (من 7 السجدة). فالعالَمُ الذي خلقَه اللهُ تعالى هو عالَمٌ مثالي لا يعتورُه نَقصٌ ولا تشوبُه شائبة.
وهذا “الخَلقُ المثالي” هو القاسمُ المشتركُ بين مخلوقاتِ اللهِ تعالى كلِّها جميعاً أنَّى جُلنا ببصرِنا في ربوعِ الأرضِ وأصقاعِ السماء. فالفراشةُ والقمر، والزهرةُ والبحر، كلٌّ قد خلقَه اللهُ تعالى فأحسنَ خَلقَه وأتقنَه: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) (من 88 النمل).
ولكن، ماذا بشأنِ الإنسان؟ وهل يصحُّ أن نقولَ فيه إنَّه كائنٌ مثالي كما هي الفراشةُ والقمر والزهرةُ والبحر؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادها أنَّ اللهَ تعالى خلقَ آدمَ إنساناً في أحسنِ تقويم: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (1- 4 التين). ولكنَّ قصةَ الإنسانِ لا ينبغي أن يقتصرَ سَردُها على هذه الآياتِ الكريمةِ من سورةِ التين دون أنَّ نستذكرَ ما جاء بعدَها من آياتٍ تكفلُ لكلِّ مَن يتدبَّرُها أن يتبيَّنَ ما حدثَ للإنسانِ بعدَ أن خلقَه اللهُ تعالى في أحسنِ تقويم. فالإنسانُ قد رُدَّ أسفلَ سافلين فلم يعُد بعدها “كائناً مثالياً” (في أحسنِ تقويم) كباقي مَن خلقَ اللهُ تعالى من شيءٍ أحسنَ خلقَه وأتقنَه: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) (5 التين).
ولقد استثنى اللهُ تعالى من هذا الردِّ أسفلَ سافلين عبادَه الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ والذين كفلَ لهم حالُهم هذا مع اللهِ تعالى أن يتحرَّروا من رِدةِ أسفلِ سافلين ليعودوا بعدها إلى خِلقةِ أحسنِ تقويم: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ. فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ. أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (6- 8 التين).

أضف تعليق