
من بين الخصائصِ الفريدةِ التي حبا اللهُ تعالى بها اللسانَ العربي المبين، الذي تنزَّلَ به قرآنُه العظيم، أنَّ معنى البعضِ من كلماتِه يتحدَّدُ وفقاً للسياقِ الذي ترِدُ خلاله، وأنَّ لهذا المعنى أن يتمايزَ فيتباينَ وفقاً لما يقضي به هذا السياقِ. ولا أدلَّ على ذلك من كلمةِ “كِدنا” وكلمةِ “يكيدوا” في سورةِ يوسف. لنتدبَّر الآيتَين الكريمتَين التاليتَين:
1- (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (5 يوسف).
2- (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (76 يوسف).
فاللهُ تعالى “كادَ لسيدِنا يوسف” كيداً مكَّنَه من أن يبلغَ به مقصدَه، بينما “كادَ لسيدِنا يوسف” إخوتُه فكان أن فرَّقوا بينه وبين أبيه ظناً منهم وتوهماً بأنَّ وجهَ أبيهم سيخلو بذلك لهم ويكونوا من بعدها قوماً صالحين: (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) (9 يوسف).
