
تختزلُ قصةُ “ابنَي آدم” تاريخَ الإنسانِ على سطحِ هذا الكوكب منذ البداية وحتى النهايةِ التي ستحلُّ حينَ يأذنُ اللهُ تعالى بحلولِ يومِ القيامة. لنتدبَّر الآياتِ الكريمةَ 27- 31 من سورةِ المائدة التي أوردت لنا تفاصيلَ هذه القصة: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ. فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ).
فكلُّ الحروبِ التي شهدَها العالَمُ كانت العلةُ من وراءِ نشوبِها وتوقُّدِ نارِها هي ما بالإمكانِ إرجاعُه إلى هذا الذي جُبِلَ عليهِ الإنسانُ من إيثارٍ للإعراضِ عن هَديِ اللهِ تعالى ومسارعةٍ إلى إطاعةِ ما تأمرُ به النفسُ ويُعينُها على ذلك الهوى. فالحروبُ وإن تعددت أسبابُها، فإنَّ العلةَ من وراءِ تمكُّنِها من فرضِ سيادتِها على عقولِ بَني آدم واحدة. فما الذي حدا بابنِ آدمَ لأن يقتلَ أخاه؟ أوَليس هو هذا “التوقُ المَرَضي” الذي يُطوِّعُ للإنسانِ ألا يُبقيَ على مَن يمثِّلُ تواجدُه على مقربةٍ منه “تحدياً وجودياً” يرقى إلى درجةِ “التهديد الوجودي”، والذي يقتضي من الإنسانِ وجوبَ أن يُسارعَ إلى التخلُّصِ من وبأي وسيلة بإمكانه أن يتوسَّلَ بها؟!
ويوجِبُ علينا هذا “الخَبالُ العدواني”، الذي جُبِلَ عليه الإنسان، أن نُعيدَ قراءةَ الأسبابِ التي سبَّبنا بها لأمرِ اللهِ تعالى لنا بأن نعبدَه وبألا نُشركَ به أحداً. فاللهُ تعالى ما فرضَ علينا أن نتديَّنَ التديُّنَ الحق بِدينِه الحق إلا ليكونَ بمقدورِنا بذلك ألا نُصغيَ للنفسِ وهي تدعونا إلى أن نتَّبعَها ونُعرِضَ بالتالي عن اتِّباعِ هَديِ اللهِ تعالى. فلو أنَّ الإنسانَ اتَّبعَ هدى الله، وخالفَ النفسَ وعصى هواه، لمكَّنَه ذلك من ألا يكونَ أداةً بيدِ النفسِ تُسيِّرُه أنَّى تشاء، ولَما ظهرَ الفسادُ في الأرضِ ولَما سُفِكت عليها الدماء.
