في معنى “وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ” في القرآنِ العظيم

نقرأُ في سورةِ يوسف، وفي الآيةِ الكريمة 86 منها: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ). فما الذي كان يشيرُ إليه سيدُنا يعقوب بقولِه “وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ”؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ قولَ اللهِ تعالى: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (96 يوسف). فسيدُنا يعقوب كان “يعلمُ من اللهِ تعالى” أنَّ ابنَه يوسفَ كان حياً يُرزَق في مكانٍ ما من هذه الأرض. ولذلك فهو لم يصدِّق لحظةً واحدة روايةَ بَنيه بأنَّ الذئب قد أكله. فما كان يُحزِنُ سيدَنا يعقوبَ إذاً هو فراقُه عن سيدِنا يوسف فحسب: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ. قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ. قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (84- 86 يوسف). ويؤكد هذا ما بوسعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِنا الآيةِ الكريمة 83 من سورةِ يوسف: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ). فسيدُنا يعقوب كان يشيرُ بقولِه هذا إلى سيدِنا يوسف وإلى أخويه الأصغر والأكبر.
كما ونقرأُ في سورةِ الأعراف، وفي الآيتَين الكريمتَين 61- 62 منها: (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ). فما الذي قصدَ إليهِ سيدُنا نوح بقولِه لقومِه: “وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ”؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ الآيةَ الكريمة 28 من سورةِ هود: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُون). فالعلمُ الذي كان يعلمُه سيدُنا نوح من اللهِ تعالى هو بعضٌ من تجلياتِ هذه الرحمة التي آتاه اللهُ تعالى إياها من عنده. فسيدُنا نوح كان “يعلمُ من اللهِ” أنَّ قومَه يتهدَّدُهم عذابٌ من اللهِ هو نازلٌ بساحتِهم لا محالة إن هم لم يطيعوه فيؤمنوا بالله ويتَّقوه. وهذا العذابُ لم يكشف اللهُ تعالى لسيدِنا نوح كُنهَه بادئَ الأمر، إذ لم ينبئه بماهيتِه إلا من بعدِ أن اكتملَ نِصابُ الذين قدَّرَ لهم أن يسلموا معه للهِ ربِّ العالَمين: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ. وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (36- 37 هود).

أضف تعليق