“الإيقان” كما عرَّفَهُ القرآن

لنتدبَّر الآياتِ الكريمةَ التالية:
1- (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون) (3 النمل).
2- (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون) (4 البقرة).
3- (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون) (4 لقمان).
4- (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُون) (2 الرعد).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة، أنَّ “الإيقانَ” لا يتأتَّى للعبدِ أن يصطبغَ حالُه مع اللهِ تعالى بصبغتِه إلا من بعدِ أن يوقِنَ القلبُ منه، قبلَ العقل، بأنَّ الآخرةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها، وأنَّ “لقاءَ اللهِ” متحقِّقٌ لا محالة. فاللهُ تعالى ما جعلَ تمكُّنَ الإيقانِ من القلبِ والعقلِ على هذا القدرِ من الصعوبة إلا لأنَّ الإنسانَ مجبولٌ بطبعِه على الانشغالِ بالعاجلِ عن الآجِل وبتغليبِ الراهنِ على القادم. ولذلك تعدَّدت العباداتُ الكفيلةُ بجعلِ العبدِ يصبحُ من الموقنين. فالأمرُ منوطٌ إذاً بما ليس بمقدورِ الإنسانِ أن يستعينَ على التثبُّتِ منه والتيقُّن بحواسِّه وعقلِه، وذلك طالما كان هذا الأمرُ ليس من مفرداتِ هذا “العالَمِ الدنيوي” الذي جعلَ اللهُ تعالى “عالَمَ الآخرة” على النقيضِ منه؛ فعالَمُ هذه الحياةِ الدنيا قائمٌ بما بثَّه اللهُ تعالى فيه من قوانينَ وأسباب وعالمُ الآخرةِ قائمٌ بـ “كُن فيكون”.
ولنا أن نتصوَّرَ كم هو عسيرٌ على الإنسان، المحكومِ بعقلِه وحواسِّه، أن يُوقِنَ بالآخرةِ التي يتعارضُ القولُ بوجودِها مع كلِّ ما جُبِلَ عليه من شديدِ تعلُّقٍ بِعالَمِ الدنيا وعظيمِ انجذابٍ إليه. فهذه العباداتُ لابد وأن تضطرَّ الإنسانَ إلى الارتقاءِ بعقلِه وصولاً إلى ما يجعلُه من الموقنين، وذلك على النقيضِ مما تضطرُّه إليه حواسُّه التي لم تُخلَق لتتعاملَ مع غيرِ هذا “العالَمِ الدنيوي”.

أضف تعليق