مِن “جنةِ المأوى” إلى “جناتِ المأوى”

للهِ تعالى في هذه الحياةِ الدنيا جنةٌ خلقَها في أقربِ “الأرضين السبع” إلى عرشِه العظيم. ولقد سمَّى اللهُ تعالى هذه الجنةَ “جنةَ المأوى”: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى) (13- 15 النجم).
وجنةُ المأوى هذه هي التي أسكنَ اللهُ تعالى آدمَ وزوجَه فيها: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (من 19 الأعراف).
وهي ذاتُ الجنةِ التي رفعَ إليها اللهُ تعالى سيدَنا إدريسَ “مكاناً عَلياً”: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا. وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) (56- 57 مريم)، ورفعَ كذلك إليها سيدَنا عيسى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) (من 55 آل عمران).
وهي الجنةُ التي عرجَ اللهُ برسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم ليلةَ المعراج إليها (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى(8)فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) (6- 9 النجم).
وهي الجنةُ التي جعلَها اللهُ تعالى مأوى شهدائِه الأبرار الذين هم أحياءٌ فيها يُرزقون: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (169 آل عمران).
وجنةُ المأوى قد عرَّفها اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بأنَّها حيث يتعبَّدُ له فيها ملائكتُه المقرَّبون: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) (206 الأعراف)، (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (من 38 فصلت).
وإذا كانت “جنةُ المأوى” قد جعلَها اللهُ تعالى مأوى المقرَّبين من ملائكتِه ومن عبادِه الصالحين في هذه الحياةِ الدنيا، فلقد جعلَ اللهُ تعالى جناتِ الآخرةِ مأوى لعبادِه الصالحين كلِّهم جميعاً: (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (19 السجدة). فـ “جنةُ المأوى” في هذه الحياةِ الدنيا إذاً هي جنةُ “المختارين” من عبادِ اللهِ الصالحين. أما “جناتُ المأوى” في الآخرة، فلقد جعلَها اللهُ تعالى موطنَ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ كلِّهم جميعاً، وفاضلَ بينهم بما جعلَه فيها من مقاماتٍ ودرجات.

أضف تعليق