
هل كان أمرُ اللهِ تعالى لآدمَ وزوجِه بالخروجِ من الجنةِ عقوبةً لهما على أكلِهما من الشجرةِ التي نهاهما عنها؟
أمرَ اللهُ تعالى آدمَ وزوجَه بأن يخرجا من الجنةِ التي كان قد آواهما إليها، وذلك من بعدِ أكلِهما من الشجرةِ التي نهاهما عنها: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (35- 36 البقرة). فهل كان أمرُ اللهِ تعالى لآدمَ وزوجِه بالخروجِ من الجنةِ عقوبةً لهما على أكلِهما من تلك الشجرةِ؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ بالنفيِ القاطع على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى:
- (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (23- 24 الأعراف).
- (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (37 البقرة).
- (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى. ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) (121- 122 طه).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة، أنَّ اللهَ تعالى قد تابَ على آدمَ وزوجِه وهما في الجنة، وذلك من قبلِ أن يخرجَهما منها. فلماذا أُخرجَ آدمُ وزوجُه من الجنةِ إذاً مادام اللهُ تعالى قد غفر لهما؟ لا إجابةَ على هذا السؤال إلا بأن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها ما يُبيِّنُه لنا تدبُّرُ ما تقدَّمَ من آياتٍ كريمة. فالعلةُ من وراءِ أمرِ اللهِ تعالى لآدمَ وزوجِه بأن يهبطا من الجنة إذاً لا علاقةَ لها بهما من قريبٍ أو بعيد، وذلك لأن المقصودَ لم يكن أحدٌ آخرَ غيرَ ذريَّتِهما التي تعيَّنَ عليها أن تحيا في الأرضِ يُعادي بعضُهم بعضاً، وتوجَّبَ على كلِّ فردٍ منهم أن يتَّبعَ هَديَ الله ليهتدِيَ به إلى الله: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (38- 39 البقرة)
