
أرى اللهُ تعالى سيدَنا موسى آيتَين من آياتِه الكبرى سمَّاهما قرآنُه العظيم “برهانين”: (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ. اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ) (31- من 32 القصص).
فالبرهانُ الأول كان تحوُّلُ عصا سيدِنا موسى إلى ثعبانٍ مبين. أما البرهان الثاني فكان شفاءَ يدِه مما كان قد ألمَّ بها وهو طفلٌ صغير من تضرُّرٍ أصابها فجعلَه عاجزاً عن استخدامِها والاستفادةِ منها. ومن بعدِ هذين “البرهانين” أمرَ اللهُ تعالى سيدَنا موسى أن يذهبَ إلى فرعونَ الطاغية: (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى. وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى. لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى. اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) (21- 24 طه).
فاللهُ تعالى أرادَ بهذين “البرهانين” أن يثبِّتَ فؤادَ سيدِنا موسى ويَطمئنَّ قلبُه فلا يداخلُهما خوفٌ ولا وجَل مما هو مقدِمٌ عليه من أمرٍ عظيمٍ جلَل. غيرَ أنَّ سيدَنا موسى، وبسببٍ مما سبقَ له وأن عاناه وكابدَه مذ كان طفلاً رضيعاً وحتى بلغَ أشُدَّه واستوى، لم يجد في هذين البرهانين ما يُيسِّرُ له أمرَه ويشدُّ أزرَه ويُذهبُ خوفَه ويربطُ جأشَه. فما كان منه إلا أن بثَّ إلى اللهِ تعالى ما أهمَّه:
1- (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) (31- 34 القصص).
2- (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ. وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) (12- 14 الشعراء).
3- (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا. وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا. إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا) (25- 35 طه).
4- (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى) (45 طه).
وما كان من اللهِ تعالى إلا أن آتاهُ سؤلَه وأجابَ دعوتَه:
1- (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) (36 طه).
2- (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) (35 القصص).
3- (قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ) (15 الشعراء).
4- (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (46 طه).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ اللهَ تعالى قد أرى سيدَنا موسى اثنتين من آياتِه الكبرى، وذلك من قبلِ أن يأمرَه بالذهابِ إلى فرعونَ الطاغية، مع سابقِ عِلمِه أنَّ سيدَنا موسى لن يكتفِيَ بهاتَين الآيتَين البرهانَين، وأنَّه سوف يسأله مزيداً من العَونِ والتأييدِ والمؤازَرة. فسيدُنا موسى تفرَّدَ بشخصيةٍ ذاتِ خصوصية اقتضى الأمرُ معها وجوبَ أن يؤتِيَه اللهُ تعالى مزيداً من عونِه وتأييدِه ومؤازرتِه. وهذا العونُ الإلهي كان لابد له من أن تُرسِّخَ لتأثيرِه في شخصيةِ سيدِنا موسى هاتان الآيتان البرهانان.
