ما هو “العلمُ” الذي يشيرُ إليهِ قولُ اللهِ تعالى “وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا”؟

نقرأُ في سورةِ الإسراء، وفي الآيةِ الكريمة 85 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا). فما هو هذا “العلمُ” الذي تشيرُ إليه هذه الآيةُ الكريمة؟ وهل هو العِلمُ الإلهي فحسب أم أنه يشملُ العِلمَ البشري أيضاً؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذين السؤالين أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى لم يُطلِعنا في قرآنِه العظيم على الكثيرِ مما هو ذو صلةٍ بوقائعِ الوجودِ وأحداثِه ومخلوقاتِه وكائناتِه. فاللهُ تعالى لم يقصُص علينا في قرآنِه العظيم إلا ما نحنُ بحاجةٍ إليه حتى نعلمَ ما يتوجَّبُ علينا فِعلُه ليُحيِيَنا حياةً طيبةً في هذه الدنيا وليُزحزحَنا بعدها عن النارِ ويُدخِلَنا الجنةَ لنحيا فيها حياةً أبدية. فنحن نقرأُ في قرآنِ اللهِ العظيم قَولَ اللهِ تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) (من 78 غافر).
كما ونقرأُ في قرآنِ اللهِ العظيم أنَّ اللهَ تعالى لم يقصُص على رسولِه الكريم صلى اللهُ تعالى عليه وسلَّم إلا “بعضاً من” أنباءِ الغيب وليس أنباءَ الغيبِ كلَّها: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (49 هود)، (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُون) (44 آل عِمران)، (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) (102 يوسف) (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) (100 هود)، (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِين) (120 هود)، (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا) (99 طه).
فاللهُ تعالى لم يقصُص على رسولِه الكريم صلى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أنباءَ الغيبِ كلَّها، ولا أنباءَ القرى كلها، ولا أنباءَ الرسُلِ كلَها، ولا أنباءَ ما قد سبق كلَّها. فنحنُ لم نؤتَ من عِلم اللهِ إذاً إلا قليلا.

أضف تعليق